نامق هورامي
كاتب
رسالة من کوردستان، إلى الضمير العراقي: الإنسانية التي لا تغرقها السياسة
اليوم، وبعد أكثر من تسعة أيام من البحث المتواصل بقلوب يعتصرها الألم، عثر أهلنا في "هورامان" على جثمان الطفلة "رقية" (11 عاماً)، تلك الزائرة اللطيفة التي جاءت مع عائلتها من كربلاء لقضاء وقت في ربوع "أحمد آوا"، لكن القدر كان أسرع وخطفها النهر.
طوال هذه الأيام التسعة، أبى أهالي هورامان في اقلیم كوردستان، برجالهم ونسائهم، أن تعود هذه العائلة المفجوعة إلى كربلاء خالية الوفاض وبلا جثمان ابنتهم. شارك الجميع في البحث، وتشاركوا الحزن والقمة والمواساة، ليثبتوا مجدداً أن هورامان و اقلیم كوردستان ليست مجرد طبيعة خلابة، بل هي مدرسة في الإنسانية، وحسن الضيافة، والتكافل الاجتماعي، وثقافة أصيلة أثمرت مساواة حقيقية بين الرجل والمرأة في السراء والضراء.
إن هذا السلوك الإنساني النبيل ليس غريباً على مناطق هورامان وحلبجة وشارزور، فهو جزء من هويتنا التاريخية؛ لكن المفارقة المؤلمة التي تستدعي التأمل والتاريخ يشهد عليها، هي أن هذا الشعب المحب للسلام والإنسان، قوبل في الأمس بقصف كيمياوي وحشي من نظام البعث.
نحن هنا، من منطلق مسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية، نتقدم بأحر التعازي والمواساة لعائلة الطفلة رقية، ونؤكد أن مصابهم هو مصابنا. ورغم المرارة التي نشعر بها في بعض الأحيان، ورغم يقيننا العاطفي بأن الكوردي لو غرق في الفرات ربما لم يكن ليجد ذات الاهتمام، إلا أننا نؤمن بأن الإنسانية لا تتجزأ، وأن قيمنا تفرض علينا أن نكون ملاذاً لكل ملهوف ومفجوع.
إن ما قدمه أهالي هورامان لهذه الطفلة ابنة الحادية عشرة عاماً، هو درس حي في ثقافة التعايش. وهنا نوجه خطابنا وعتبنا الأخلاقي إلى النخب والشركاء من الإخوة العرب في العراق: إن الإنسانية تقتضي مبادلة الوفاء بالوفاء. وكما احتضنت جبالنا وجداولنا رقية وحمت كرامة عائلتها، حريٌ بالضمير الجمعي هناك أن يلتفت بمسؤولية وجدية إلى ملف رفات آلاف الكورد المؤنفين والمغيبين في صحاري النبش والنسيان بوسط وجنوب العراق، والعمل على إعادتهم إلى قراهم ليجدوا الطمأنينة التي يستحقونها.
دعونا نتعلم جميعاً من ثقافة هورامان كيف نكون إخوة في الإنسانية أولاً، بعيداً عن حسابات السياسة والمصالح الضيقة.