سیاسة
ابراهيم عبدالحافظ توفيق
ابراهيم عبدالحافظ توفيق

محامي

الاستنزاف الكبير

الاستنزاف الكبير
الاستنزاف الكبير

لا يخفى على احد ان القضية الكوردية لم تكن خلال العقود الماضية مجرد صراع على الهوية او الجغرافيا، بل تحولت الى واحدة من اكثر القضايا استنزافاً لاقتصادات الشرق الاوسط واهداراً لفرص التنمية والاستقرار. فالدول التي اختارت معالجة هذه القضية عبر الحلول الامنية والعسكرية انفقت مئات مليارات الدولارات على الحروب والصراعات، من دون ان تتوقف طويلاً لتسأل نفسها: ماذا لو انفق جزء من هذه الاموال على الحلول السياسية والتنموية بدلاً من الصدام المستمر؟ فالحروب لا تستهلك الارواح فحسب، بل تستهلك ايضاً فرص المستقبل. انها تبتلع الموارد التي كان يمكن ان توجه لبناء المدارس والجامعات والمستشفيات وشبكات الطرق والبنى التحتية. وفي كثير من الاحيان، تحولت المشاريع التي انشئت في المناطق الكوردية الى ادوات مرتبطة بالجانب الامني والعسكري اكثر من ارتباطها بالتنمية الحقيقية للسكان.

نعم لقد شقت الطرق الى المناطق الجبلية، لكن الهدف منها في احيان كثيرة لم يكن التنمية او تحسين حياة المواطنين، بل تسهيل الوصول العسكري الى تلك المناطق. كما اقيمت منشآت ومجمعات سكنية تحت عناوين مختلفة، بينما ارتبط بعضها بسياسات التهجير القسري التي شهدتها مراحل مؤلمة من تاريخ المنطقة، ومنها ما تعرض له الكورد خلال حملات الترحيل والاعتقال التي ما تزال آثارها الانسانية حاضرة حتى اليوم.

ومن هنا، لا يمكن القول ان الكورد وحدهم كانوا الخاسر الاكبر من هذا الصراع الطويل، بل ان دول المنطقة نفسها دفعت اثماناً باهظة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فسنوات الصراع اضعفت فرص التنمية، واستنزفت الموارد، واخرت بناء اقتصادات مستقرة قادرة على المنافسة، رغم ما تمتلكه هذه الدول من ثروات طبيعية وطاقات بشرية وموقع جغرافي بالغ الاهمية. ولو ان جزءاً من تلك الموارد وجه نحو التنمية والتعليم والاستثمار والبنى التحتية، لكان من الممكن ان تتحول المنطقة الى واحدة من اهم المراكز الاقتصادية والتجارية في الشرق الاوسط، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا واوروبا والخليج. وكان بالامكان ان تتحول الحدود بين هذه الدول الى جسور للتبادل الاقتصادي والتجاري بدلاً من بقائها مناطق توتر وصراع دائم.

ان التعامل الواقعي مع القضية الكوردية يتطلب فهماً اعمق لخصوصية المجتمع الكوردي الثقافية والقومية، والبحث عن صيغ سياسية وادارية عادلة تضمن مشاركة حقيقية واستقراراً دائماً، بما في ذلك اشكال الحكم الذاتي او اللامركزية التي اثبتت تجارب عديدة حول العالم قدرتها على تقليل التوتر وفتح المجال امام التنمية.

ولقد اثبتت تجارب كثيرة ان ادارة التنوع سياسياً اقل كلفة بكثير من محاولة اخضاعه أمنياً، وان الحروب لا تستنزف الدماء فقط، بل تستنزف المستقبل ايضاً. وربما آن الاوان لكي تنظر شعوب المنطقة الى هذه القضية من زاوية جديدة، لا تقوم على الخوف والصدام، بل على المصالح المشتركة والتنمية والاستقرار للجميع.