صلاح بكر
كاتب
التطبيع بوصفه عدالة وجودية... المسار الدستوري لإعادة بناء الحق في المناطق المتنازع عليها
أولاً: في تفكيك اللفظ والمفهوم
في المبنى اللغوي يشتق "التطبيع" من "الطَّبْعِ" وهو السّجية، والسّريرة، والأصل الكامن في الشيء قبل أن تصيبه عوارض التشويه. أن تطبع وضعاً ما، يعني لغة: أن تعيده إلى مجراه الطبيعي الأول، كالنهر الذي حرفت مساراته قسراً ثم عاد يتدفق في سريره الأصيل.
أما في الفلسفة السياسية والوجودية ، فإن التطبيع لا يعنيه أبداً "شرعنة الأمر الواقع" بل هو نقيضه التام إنه فعل "تفكيك الشذوذ التاريخي". إن الوضع الشاذ (الاستثنائي بالقوة والتعسف) يكتسب مع الزمن وهماً بالديمومة، فيظن العابرون أنه الحقيقة. وهنا يتجلى التطبيع كأداة هدم إبستمولوجية (معرفية) تقشر زيف الطبقات الديموغرافية والإدارية المفتعلة، لتبحث عن "الماهية الأولى" للمكان والإنسان.
ثانياً: وهمُ الإرادة وسيكولوجيا التأجيل لدى الحكومات المتعاقبة
إن المتأمل في مسار السياسة العراقية المعاصرة يدرك جلياً أن أزمة تطبيق المادة 140 لم تكن يوماً أزمة نصٍّ قانوني، بل أزمة "إرادة وجودية" غابت عن الحكومات المتعاقبة. لقد مارست السلطات المتعاقبة نوعاً من "الهروب الأنطولوجي" إذ نظرت إلى جرح كركوك والمناطق المتنازع عليها بوصفه حيزاً للمناورة السطحية وكسب الوقت، لا كقضية عدالة بنيوية تستوجب الحل.
هذا التقاعس العمدي حول "التطبيع الدستوري" من التزام أخلاقي وقانوني إلى أداة توازنات هشة، حيث فضلت تلك الحكومات إبقاء الوضع الشاذ معلقاً في "منطقة برزخية" لتلافي الكلفة السياسية، مع غض الطرف عن استمرار المظلومية التاريخية وتعميق شرخ الاغتراب لدى أصحاب الحقوق الأصلاء.
ثالثاً: التطبيع كأداة لاسترداد الحق الدستوري وحتمية الخطوة الجادة لحكومة الزيدي
حين نصَّ الدستور العراقي في المادة 140 على "تطبيع الأوضاع"، لم يكن يبتغي مساواة رياضية باردة بين وافدٍ و مرحل قسراً، بل كان يُرسخ لمفهوم "العدالة الانتقالية العميقة". والاستفادة الفلسفية من هذا المفهوم تكمن في ثلاثة أبعاد وجودية:
۱. نزع صفة "الطبيعي" عن الجريمة التاريخية: إن سياسات اقتلاع الإنسان من أرضه وإحلال آخر بدلاً عنه لم تكن يوماً حراكاً اجتماعياً طبيعياً، بل كانت "هندسة قسرية". والتطبيع يبدأ بخلع الشرعية الأخلاقية عن هذه الهندسة.
۲. أولوية الحق الوجودي على الأمر الواقع: التطبيع يعيد الاعتبار لـ"سند الملكية الوجودي" – أي الرابطة الروحية والتاريخية بين صاحب الأرض الأصيل وأرضه (الكوردي والتركماني كمثال في جغرافية الألم والترحيل قسرا). إنه يرى أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن المساواة المنصفة تعني إزاحة التشويه أولا لإحلال التوازن ثانياً.
۳. تحدي الراهن وإلزامية الحسم: من هنا، تبرز اللحظة الراهنة لفرض استحقاقها إذ يتعين على حكومة الزيدي اليوم أن تقطع مع إرث المماطلة التاريخية وتتجاوز عتبة التردد. عليها أن تخطو خطوات جادة وشجاعة تفكك بها هذا الانسداد المزمن، ممسكة بزمام المبادرة لترجمة النوايا السياسية إلى أفعال قضائية وإدارية ملموسة، تضمن الانتقال بالمنطقة من حالة النزاع المستدام إلى واحة العدالة الحقيقية.
في أزلية الحق وتلاشي الاغتصاب
إن الأمكنة في جوهرها الوجودي، تمتلكُ ذاكرة عصية على التزوير ، فالأرض لا تتحدث لغة الغاصب وإن طال مكثه فوق تلولها ، ولا تقبل عقوداً سطرت بحبر الإكراه. إن كركوك والمناطق التي عمدت بالنزاع ليست مساحات جغرافية تقسم غنائم في سوق۰ الموازنات السياسية، بل هي جراح في جسد العدالة الكونية تنتظر الشفاء.
وحين تصدح الفلسفة بضرورةِ التطبيع، فإنها تدركُ أن الزمن مهما تراكمت فوقه طبقات الباطل، يظل في باطنه يختزن حقيقة واحدة: أن العودة إلى الأصل هي الناموس الأوحد الذي ينحني له التاريخ في نهاية المطاف. إن إحقاق الحق في هذه الأرضِ ليس منّة تصيغها المقاربات الحذرة، بل هو انبعاث للكينونة من رماد التغييب، واعتراف صاعق بأن السلم لا يستقيم على أساس مظلمة، وأن عودة الوعي إلى جغرافية الوطن تبدأُ من اللحظة التي تنحسر فيها ظلال التزييف، ليعود الحق إلى أصحابه متوجاً بأزلية الاستحقاق والعدالة الشامخة.