د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
تداعيات الحوار الأمريكي الإيراني على إقليم كوردستان
تتجه أنظار صناع القرار في العواصم العالمية الكبرى نحو سويسرا، حيث تعقد قمة طارئة واستثنائية تجمع وفدين رفيعي المستوى من الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
من منظور العلاقات الدولية یعتربر هذا اللقاء تجسيد حي لما يعرف بـ "دبلوماسية الأزمات في الأوقات الفاصلة"، ومحاولة مباشرة من القوى الفاعلة لإعادة هندسة موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك هناك سؤال جوهري يفرض نفسه على طاولة التحليل، ألا وهو، إلى أي مدى يمكن لهذا اللقاء المباشر أن يحدث تحولاً استراتيجياً في مسار العلاقات المتأزمة بين واشنطن وطهران، في وقت لا تزال فيه جمرات الصراع على الأرض مشتعلة؟
من الناحية السياسية، يعكس هذا التقارب إدراكاً متبادلاً من الطرفين بأن سياسة "الحرب بالوكالة" أو الاكتفاء بتبادل الرسائل غير المباشرة قد وصلتا إلى طريق مسدود، وباتتا تهددان باندلاع مواجهة شاملة لن يخرج منها أي طرف منتصراً.
إن جلوس مسؤولين بوزن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على طاولة واحدة، يعني الانتقال الفعلي إلى مرحلة "دبلوماسية القرار الحاسم بين الأصلاء"، وهي خطوة تهدف بالدرجة الأولى إلى رسم خطوط حمراء واضحة تمنع الانزلاق نحو الهاوية الميدانية.
بيد أن التسريبات التي تتحدث عن سقف زمني يمتد لستين يوماً من التفاوض، تفرض علامات استفهام كبرى حول مدى جدية هذه اللقاءات، وتستدعي قراءة المشهد بحذر شديد.
ففي العرف الدبلوماسي، يعكس هذا المدى الزمني الطويل نسبياً قناعة عميقة بتعقيد الملفات وتشابكها، إذ لا تقتصر المعادلة على الجبهة اللبنانية، بل تمتد لتشمل أمن الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل الفصائل الحليفة لإيران، فضلاً عن التعقيدات السياسية الداخلية في طهران. ومع ذلك، فإن هذا الهامش الزمني يحمل في طياته خطورة بالغة، حيث يخشى أن يتحول إلى استراتيجية لـ "كسب الوقت" والمماطلة وتجميد الصراع مؤقتاً، مما يتيح للأطراف الميدانية — ولا سيما إسرائيل التي أوقفت عملياتها دون انسحاب كامل — إعادة ترتيب أوراقها العسكرية واللوجستية لجولات قادمة. إن خطورة الستين يوماً تكمن تحديداً في هشاشة الميدان، فأي خطأ حسابي أو ضربة غير مقصودة قد تطير بطاولة زوريخ في ثوانٍ معدودة.
هذا المسار الدبلوماسي الممتد يضع المنطقة، وإقليم كوردستان على وجه الخصوص، أمام مفترق طرق بين اتجاهين متعاكسين، يتبلور السيناريو الأول في نجاح التهدئة، ففي حال أثمرت هذه المهلة عن صياغة صفقة شاملة تضمن تهدئة الجبهات وإعادة فتح مضيق هرمز، فإن مفاعيلها ستنعكس إيجاباً وبشكل مباشر على إقليم كوردستان. إن التهدئة الإقليمية من شأنها أن تسحب الذرائع السياسية والأمنية التي تتخذ عادة كغطاء لاستهداف الإقليم، مما يمنحه مساحة حيوية لالتقاط الأنفاس سياسياً واقتصادياً، ويعزز البيئة الاستقرارية اللازمة لتدفق الاستثمارات وتنشيط قطاع الطاقة، متيحاً للإقليم فرصة التحلل من حدة الضغوط الخارجية المحيطة به.
في المقابل، يتجسد السيناريو الثاني في سيناريو الفشل أو المماطلة، وهو ما يعني تحول الإقليم مجدداً إلى ساحة لتبادل الرسائل النارية. فإذا تحولت مهلة الستين يوماً إلى مجرد مناورة سياسية واصطدمت الجهود الدبلوماسية بحائط مسدود، سيكون إقليم كوردستان في مقدمة المتضررين. وتاريخياً، دفع الإقليم فاتورة باهظة نتيجة موقعه الجغرافي الحرج وتوازناته المعقدة، حيث سجل تعرضه لنحو 855 هجوماً صاروخياً وبطائرات مسيرة استهدفت بنيته التحتية الحيوية ومواطنيه ومراكز طاقته.
وفي حال انهيار المفاوضات، يصبح من المتوقع جداً أن يستغل الإقليم مجدداً كساحة خلفية لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل المشفرة شديدة السخونة بين واشنطن وطهران، مما يضع أمنه وسيادته في عين العاصفة مباشرة.
ختاماً، تظل قمة زوريخ وسقفها الزمني محاولة حرجة لـ "إدارة الأزمة" وكبح جماح الانفجار الكبير، أكثر منها مسعى لإنهاء الصراع بصفة جذرية.
وبينما يتفاوض الأصلاء في أروقة الدبلوماسية السويسرية على مدار أسابيع، يظل إقليم كوردستان يترقب المشهد بحذر بالغ، فإما سلام نسبي يعيد الاعتبار للغة الحوار ويحمي المكتسبات القائمة، وإما تهدئة مؤفتة ليست سوى هدوء يسبق عاصفة جديدة قد يدفَع الإقليم ضريبتها مجدداً من أمنه واستقراره.
ومع ذلك، فإن الفلسفة التاريخية للأزمات تعلمنا دائماً أن الجدران المسدودة هي التي تلد النوافذ، وأن الخوف المشترك من الفناء غالباً ما يجبر الخصوم على ابتكار العقلانية.
وهنا يكمن الرهان على المرونة الاستراتيجية (Strategic Resilience) التي يمتلكها إقليم كوردستان، والمدعومة تاريخياً بالسياسة الحكيمة والنهج الاستراتيجي للرئيس مسعود بارزاني في إدارة الأزمات الكبرى، وهي القيادة التي أسهمت في تحويل مئات الهجمات والضغوط السابقة إلى عنصر صلابة وجودية وتوازن سياسي، قد لا تمنحنا سويسرا سلاماً كاملاً، لكنها تثبت أن المأزق الإنساني، في ذروة عتمته، يظل يبحث عن وميض يبقي خيارات الحياة ممكنة.