نجاح هيفو
كاتبة كوردية
حدائق بابل المعلقة في هولير.. رسالة سياسية من كوردستان إلى المنطقة والعالم
في وقتٍ لا تزال فيه منطقة الشرق الأوسط تواجه تحديات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، يبرز افتتاح مشروع "حدائق بابل المعلقة" في مدينة هولير (أربيل) كحدث يتجاوز في دلالاته حدود مشروع عمراني أو سياحي، ليحمل رسالة سياسية وثقافية وإنسانية عميقة تعكس رؤية حكومة إقليم كوردستان لمستقبل قائم على التنمية والاستقرار والتعايش والسلام.
فالدول والحكومات تُقاس اليوم ليس فقط بقدرتها على إدارة الأزمات، وإنما أيضًا بقدرتها على صناعة الأمل وخلق بيئات جاذبة للحياة والاستثمار والثقافة. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى مشروع حدائق بابل المعلقة باعتباره جزءًا من رؤية استراتيجية تتبناها حكومة إقليم كوردستان بقيادة رئيس الحكومة السيد مسرور بارزاني، والتي تضع التنمية المستدامة وجودة الحياة في مقدمة أولوياتها.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى اقتصاد قوي ومؤسسات مستقرة ومشاريع تنموية تخلق فرصًا جديدة للمواطنين. وعندما تستثمر الحكومات في الحدائق العامة والمشاريع البيئية والمرافق السياحية، فإنها في الواقع تستثمر في الإنسان وفي بناء مجتمع أكثر تماسكًا وانفتاحًا. وهذا ما يجسده مشروع حدائق بابل المعلقة الذي يمثل نموذجًا متقدمًا لربط التنمية بالهوية الحضارية والبعد الإنساني.
إن اختيار اسم "حدائق بابل المعلقة" لم يكن اختيارًا عابرًا، بل يحمل أبعادًا رمزية عميقة. فحدائق بابل تعد إحدى عجائب العالم القديم، وترمز إلى الإبداع الحضاري الذي شهدته بلاد ما بين النهرين عبر التاريخ. ومن خلال استحضار هذا الرمز الحضاري، تؤكد كوردستان أنها جزء أصيل من تاريخ المنطقة وحضارتها، وأنها تسعى إلى بناء مستقبل يستلهم من إرث الماضي قيم الإبداع والتقدم والازدهار.
سياسيًا، يحمل المشروع رسالة واضحة مفادها أن حكومة إقليم كوردستان تؤمن بأن التنمية هي الطريق الأقصر نحو الاستقرار. ففي منطقة اعتادت أن تكون الأخبار القادمة منها مرتبطة بالحروب والنزاعات، تقدم هولير صورة مختلفة؛ صورة مدينة تتوسع وتزدهر وتستقطب الاستثمارات وتوفر مساحات للحياة والجمال. وهذه الصورة لا تخدم كوردستان وحدها، بل تقدم نموذجًا إيجابيًا للمنطقة بأسرها حول إمكانية الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.
كما يعكس المشروع فلسفة سياسية تقوم على تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. فالمواطن الذي يرى مشاريع حديثة وخدمات متطورة واهتمامًا بالبيئة وجودة الحياة، يشعر بأنه شريك في عملية البناء والتنمية. ومن هنا تأتي أهمية المشاريع الكبرى التي لا تقتصر نتائجها على الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتشمل تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الاستقرار المجتمعي.
ومن زاوية أخرى، يمثل مشروع حدائق بابل المعلقة رسالة قوية عن التعايش الذي يتميز به إقليم كوردستان. فقد استطاع الإقليم خلال العقود الماضية أن يقدم نموذجًا فريدًا في احتضان مختلف المكونات القومية والدينية والثقافية. فالكورد والعرب والتركمان والكلدان والسريان والآشوريون والأرمن وغيرهم يعيشون في إطار من الاحترام المتبادل والشراكة المجتمعية. وعندما تُنشأ مشاريع عامة بهذا الحجم والجمال، فإنها تتحول إلى فضاءات مشتركة تجمع الجميع دون تمييز، وتعزز ثقافة اللقاء والحوار والتواصل الإنساني.
إن السلام لا يُصنع فقط عبر الاتفاقيات السياسية، بل يُبنى أيضًا من خلال خلق بيئات اجتماعية وثقافية تسمح للناس بالتقارب والتفاعل الإيجابي. ولذلك فإن الحدائق والمتنزهات والمساحات العامة أصبحت في العالم الحديث جزءًا من أدوات بناء السلام المجتمعي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى حدائق بابل المعلقة باعتبارها رمزًا لفكرة أن الجمال يمكن أن يكون لغة مشتركة تجمع الناس أكثر مما تفرقهم السياسة.
كما يحمل المشروع رسالة مهمة إلى المجتمع الدولي مفادها أن كوردستان ليست مجرد ساحة للتطورات السياسية والأمنية، بل هي أيضًا مركز متنامٍ للاستثمار والسياحة والثقافة. فالمشاريع الكبرى تعكس الثقة بالمستقبل، وتجذب رؤوس الأموال، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون الاقتصادي والثقافي مع العالم. وهذا ما تسعى إليه حكومة الإقليم من خلال مواصلة تطوير البنية التحتية ودعم المشاريع الاستراتيجية التي ترفع من مكانة كوردستان إقليميًا ودوليًا.
ولا يمكن الحديث عن هذا المشروع دون الإشارة إلى الدور الذي تلعبه القيادة السياسية في رسم ملامح هذه الرؤية. فقد أكد السيد مسرور بارزاني في أكثر من مناسبة أن التنمية الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل وتحسين الخدمات العامة تشكل ركائز أساسية لبناء كوردستان قوية ومستقرة. ويأتي افتتاح حدائق بابل المعلقة ليترجم هذه الرؤية على أرض الواقع، من خلال مشروع يجمع بين البعد الاقتصادي والبيئي والثقافي والإنساني.
إن الرسالة الأهم التي يحملها هذا المشروع هي أن الشعوب التي تؤمن بالحياة قادرة على صناعة المستقبل مهما كانت التحديات. فبينما تنشغل بعض المناطق بإدارة الصراعات، تختار كوردستان أن تستثمر في التنمية والجمال والإنسان. وبينما تُهدر الموارد في النزاعات، تُوظف هنا لبناء الحدائق وتطوير المدن وتحسين حياة المواطنين.
إن حدائق بابل المعلقة في هولير ليست مجرد معلم جديد يزين عاصمة إقليم كوردستان، بل هي عنوان لرؤية سياسية تؤمن بأن السلام يبدأ من التنمية، وأن التعايش ينمو في البيئات التي تحترم الإنسان، وأن الحكومات الناجحة هي تلك التي تترك للأجيال القادمة مشاريع للحياة لا آثارًا للصراعات. ومن هولير، عاصمة التعايش والانفتاح، تنطلق رسالة جديدة إلى المنطقة والعالم مفادها أن المستقبل يُبنى بالإرادة والعمل والتنمية، وأن السلام الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأحلام إلى واقع يراه الناس ويلمسونه في حياتهم اليومية.