الرياضة والسياسة.. هزيمة منتخب ووجع وطن

الرياضة والسياسة.. هزيمة منتخب ووجع وطن
الرياضة والسياسة.. هزيمة منتخب ووجع وطن

لم يخرج المنتخب العراقي من كأس العالم بثلاث هزائم فقط ، خرج ومعه انكشفت أسئلة كثيرة كنا نؤجلها كلما قيل لنا إن كرة القدم “مجرد لعبة”.
ما حدث أمام النرويج وفرنسا والسنغال لم يكن مجرد نتائج سيئة في جدول بطولة ، كان مرآة كبيرة وُضعت أمام بلد كامل: شعب عظيم  وجمهور لا يشبه أحدًا وتاريخ كروي حاضر في الذاكرة وثروة تكفي لصناعة مشروع رياضي حقيقي… لكن المنظومة، كما بدا في الملعب، لم تكن بحجم هذا كله.
ثلاث مباريات. ثلاث خسارات. صفر نقطة.
هذا الرقم لا يوجع لأنه رياضي فقط، بل لأنه يشبه أرقامًا كثيرة في حياتنا العامة: بلد يملك الكثير، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يحوّل ما يملك إلى قوة. بلد يملك النفط، والشباب، والجمهور، والموهبة، لكنه يعود من أكبر مسرح كروي في العالم بلا نقطة، وبأسئلة أكثر من الأهداف التي دخلت مرماه.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا خسر المنتخب؟
السؤال الحقيقي: كيف صُنع هذا المنتخب؟ ومن صنعه بهذه الطريقة؟
من اختار المدرب؟ وعلى أي أساس؟ من كانوا منافسيه؟ هل تمت المقارنة بين السير التدريبية؟ هل كان هناك مشروع واضح؟ من اختار اللاعبين؟ هل كان المعيار هو الجاهزية والانضباط والأداء، أم الاسم والضغط والعلاقات؟ من كان يضع التشكيلة؟ من كان يراقب المعسكر؟ من كان يحاسب؟ وأين كانت الخطة قبل أن نصل إلى هذه النهاية المؤلمة؟
هذه الأسئلة ليست إساءة لأحد وليست رغبة في تصفية حسابات ، إنها حق طبيعي لجمهور دفع من أعصابه وكرامته الوطنية ثمن هذا الخروج ، من حق العراقي أن يعرف كيف يُدار المنتخب الذي يحمل اسمه ومن حق اللاعب نفسه أن يعرف إن كان دخل البطولة محميًا بمنظومة أم متروكًا وحده أمام العاصفة.
في الدول التي تحترم شعوبها، الخروج الكبير لا ينتهي بمنشور اعتذار ورسالة شكر للجماهير ، الهزيمة الكبيرة تفتح الملفات: ملف الاتحاد، المدرب، اللجان الفنية، اختيار اللاعبين، الإعداد، الإنفاق، المعسكرات، والتقارير الفنية. أما حين تُغلق الملفات بسرعة فالهزيمة لا تنتهي فقط تنتظر موعدًا جديدًا لتعود بالشكل نفسه.
المشكلة أعمق من خط دفاع أخطأ أو لاعب لم يغطِّ مساحة أو حارس لم ينقذ كرة. المشكلة أن الرياضة العراقية في كثير من تفاصيلها، بدت نسخة مصغرة من أزمات الدولة: أسماء كبيرة، مؤسسات ضعيفة و جمهور عظيم و قرارات غامضة ونتائج لا تشبه الإمكانات.
السياسة علمتنا أن المنصب قد يأتي أحيانًا قبل المشروع والاقتصاد علمنا أن المال بلا إدارة لا يصنع قوة والرياضة اليوم أعادت الدرس نفسه: النفط لا يدافع عن المرمى والجمهور لا يضع خطة لعب والتاريخ لا يمنع الهدف الخامس إذا كان الحاضر هشًا.

كان المنتخب العراقي قادرًا على أن يكون لحظة وحدة ، كان يمكن أن يكون جسرًا بين البصرة والموصل، بين بغداد وأربيل، بين الناصرية والأنبار، بين من فرقتهم السياسة والذاكرة والخلافات. كان يمكن أن يجمع العراقيين حول راية واحدة لا تحتاج إلى شرح لكنه بدل أن يكون حبل نجاة من الانقسام و صار جرحًا جديدًا في جسد متعب.
هذا المنتخب لم يكن يحمل 26 لاعبًا فقط ، كان يحمل بلدًا يبحث عن فرح مؤجل ، كان يحمل شبابًا ينتظرون سببًا للفخر، وعائلات أرادت أن ترى العراق مرفوع الرأس ومغتربين أرادوا أن يرددوا اسمه بلا وجع. كان يحمل شعبًا تعب من الخسارات في السياسة والاقتصاد والخدمات، فانتظر من كرة القدم أن تمنحه دقيقة انتصار لكن حتى هذه الدقيقة لم تأتِ.
وأنا، المقيم في كوردستان العراق، شعرت بهذا الحزن بطريقة خاصة. ربما حزنت على المنتخب العراقي أكثر من كثيرين، لا لأنني أملك حقًا في الحزن أكثر من أهله، بل لأنني أعرف معنى أن ينتظر الإنسان منتخبًا لم يستطع وطنه هو أن يصل إلى كأس العالم ، كنت أرى في العراق فرصة فرح قريبة من القلب و فرصة لأعيش المونديال من داخل بلد أقيم فيه، بلد يملك جمهورًا إذا أحب منح روحه كلها.
لكن حزني الأكبر لم يكن على النتيجة. كان على اللاعبين.
حزنت على هؤلاء الذين زُجّ بهم في الملعب أمام العالم من دون أن يبدو أن هناك خطة واضحة تحميهم أو منظومة تسندهم أو مشروعًا يخفف عنهم ثقل القميص. اللاعب حين يدخل الملعب بلا حماية فنية وإدارية يصبح وحيدًا حتى لو كان حوله عشرة زملاء يصبح مطالبًا بمعجزة فردية أمام منتخبات تملك خططًا ومؤسسات وتحليلًا وإعدادًا طويلًا.
لهذا يجب أن نكون منصفين. اللاعبون ليسوا وحدهم المسؤولين. نعم، هناك أخطاء داخل الملعب وهناك تقصير وهناك لحظات ضعف. لكن اللاعب هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة ، فإذا كانت السلسلة مرتخية منذ البداية فليس من العدل أن نحاسب الحلقة الأخيرة وحدها.
لا يمكن أن نطلب من اللاعب أن يكون بطلًا وسط الفوضى، بينما البطولة تحتاج أولًا إلى بيئة تحميها ولا يمكن أن نحاسب القدم التي أخطأت تمريرة ونعفي العقل الذي صنع بيئة الارتباك وسمّاها إعدادًا.
الهزيمة في الملعب لها وجوه ظاهرة ، لكن الهزيمة في المنظومة تبدأ قبل المباراة بأشهر وربما بسنوات: اختيار مدرب، جهاز مساعد، برنامج إعداد، قائمة لاعبين، طريقة لعب، وتعامل نفسي وإعلامي مع الفريق. هذه التفاصيل تصنع النتيجة قبل أن يصنعها المهاجم أو الحارس.
لذلك، السؤال الذي يجب أن يدوّي الآن ليس: من اللاعب الأسوأ؟
بل: ما الذي أوصل المنتخب إلى هذه الصورة؟
أين الخطة؟ أين مراحلها؟ أين تقييمها؟ من راقب تنفيذها؟ هل دخل العراق البطولة وهو يعرف ماذا يريد؟ مشاركة مشرفة؟ بناء جيل؟ منافسة حقيقية؟ أم أن الحلم سبق القدرة، والهتاف سبق الإعداد، والفرح سبق المؤسسة؟
العراق لا يحتاج إلى اعتذار فقط. العراق يحتاج إلى كشف حساب.
يحتاج أن يعرف كيف تم اختيار المدرب، ومن اختار القائمة، ومن وضع برنامج الإعداد ومن قيّم الأداء ومن يتحمل المسؤولية الفنية والإدارية عن هذا الخروج. هذه ليست أسئلة لإثارة الفوضى بل أسئلة لمنع تكرارها. فمن لا يراجع نفسه بعد ثلاث خسارات، كيف سيبني ثقة قبل الاستحقاقات القادمة؟
الحقيقة المؤلمة أن المنتخب دخل كأس العالم وهو يحمل بعض أمراض البلاد: غياب التخطيط و ضعف المؤسسات و تضارب المصالح و الخوف من المحاسبة والاعتماد على عاطفة الجمهور بدل احترام عقله. لكن الجمهور لم يعد طفلًا. العراقيون سمعوا التبريرات كثيرًا في السياسة وفي الكهرباء وفي الخدمات وفي الوعود التي تبدأ كبيرة وتنتهي في الأدراج.

لذلك لم يكن الغضب لأن الكرة دخلت المرمى فقط. كان الغضب لأن الناس رأوا المشهد نفسه يتكرر: بلد يملك كل شيء ثم يفشل في تنظيم شروط النجاح. رأوا النفط لا يتحول إلى ملاعب منتجة والموازنات لا تتحول إلى أكاديميات والجمهور لا يتحول إلى قوة مؤسسية والتاريخ لا يتحول إلى مستقبل.
وإذا لم نتعلم الآن، فلن تكون الهزيمة القادمة في ملعب بعيد، بل في قلب كل عراقي كان ينتظر من هذا القميص أن يمنحه سببًا واحدًا ليصدق أن العراق ما زال قادرًا على النهوض.
وهنا يصبح فشل المنتخب سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا قبل أن يكون سؤالًا كرويًا. فالرياضة في العالم لم تعد هواية جانبية. إنها صناعة واقتصاد وقوة ناعمة وصورة دولة. المنتخب الناجح لا يولد من الحماس وحده، بل من مدارس ومدربين وكشافين وطب رياضي وبيانات وملاعب وحوكمة وشفافية.
أما نحن فما زلنا أحيانًا نعامل كرة القدم كما نعامل كثيرًا من ملفاتنا: نتركها حتى تتعثر، ثم نطلب منها أن تزهر فجأة أمام العالم.
إن المنتخب العراقي لم يكن بحاجة إلى دعوات أكثر، بل إلى إدارة أفضل. لم يكن بحاجة إلى قصائد قبل المباراة بل إلى خطة قبل البطولة. ولم يكن بحاجة إلى صور في المدرجات بل إلى من يخاف من السؤال بعد الهزيمة.
كان العراقي البسيط ينتظر من المنتخب شيئًا لا تمنحه السياسة بسهولة: لحظة وحدة. حين يلعب العراق، تخفت الخلافات قليلًا وتذوب الخرائط الصغيرة ويصبح الناس جمهورًا واحدًا أمام شاشة واحدة. هذه هي قيمة المنتخب. ليس أنه يركل كرة بل أنه يستطيع أن يجمع ما فرقته السياسة.
لكن حين يفشل المنتخب بهذه الطريقة فهو لا يخسر مباراة فقط. إنه يجرح آخر مساحة مشتركة. يترك الناس أمام سؤال مرير: حتى الفرح الذي كنا نعلقه على كرة القدم، هل صار ضحية للطريقة نفسها التي أضاعت أحلامًا أخرى؟
لذلك يجب ألا تمر الخسارات الثلاث كحادثة رياضية عابرة. يجب أن تكون بداية مراجعة حقيقية: مراجعة التعاقدات و الاختيارات و الإعداد و آليات القرار و بنية الاتحاد وبرنامج الفئات العمرية. أما تغيير مدرب والإبقاء على العقل نفسه فهو ليس إصلاحًا؛ إنه إعادة طلاء لجدار متشقق.
كرة القدم العراقية لا تحتاج إلى ترميم سريع. تحتاج إلى إعادة تأسيس. تحتاج أن تتحول من مزاج إلى مؤسسة ومن رد فعل إلى مشروع ومن علاقات إلى معايير ومن بطولات ظرفية إلى سياسة رياضية وطنية.
أين المدارس الكروية؟ أين اكتشاف المواهب في المحافظات؟ أين تطوير المدرب المحلي؟ أين الاحتراف الحقيقي؟ أين الشفافية التي تجعل الجمهور يعرف لماذا اختير لاعب واستُبعد آخر؟ وأين الإعلام الرياضي الذي يسأل ولا يكتفي بالتصفيق؟
هذه الأسئلة ليست ضد المنتخب. إنها دفاع عنه. لأن الحب الحقيقي لا يعني حماية الأخطاء من النقد بل حماية المؤسسة من تكرار الفشل. المنتخب لا يُحمى بالصمت بل بالحقيقة. ولا يُبنى بالعاطفة وحدها بل بالعمل الطويل.
قد يقول البعض إن تحميل كرة القدم كل هذا المعنى مبالغة. لكن في العراق، كرة القدم ليست مجرد لعبة. إنها واحدة من آخر اللغات المشتركة. حين يفرح المنتخب، يفرح من لا يتفقون على شيء. وحين يسقط، يشعر الجميع أن شيئًا عامًا قد انكسر.
لقد انتهت المباريات، لكن القضية لم تنتهِ. النتيجة في الجدول صفر، لكن الخسارة في الوعي أكبر من ذلك بكثير. وإذا لم تتحول هذه الصدمة إلى إصلاح، فإن الصفر سيبقى يطاردنا، لا في كأس العالم فقط، بل في كل ملف نصرّ على إدارته بالعقلية نفسها.
العراق لا ينقصه الشعب، ولا المال، ولا الموهبة، ولا الحلم. ينقصه أن يتحول كل ذلك إلى مؤسسة.
ومن دون مؤسسة، سيبقى النفط رقمًا في الأخبار، وسيبقى الجمهور بحرًا من الوجع، وسيبقى التاريخ صورة معلقة على الجدار، وسيبقى المنتخب يدخل البطولات محمولًا على الدعاء، ويخرج منها محمولًا على الأعذار.
لقد خسر المنتخب ثلاث مباريات. لكن الخطر الأكبر أن نخسر الدرس.