محمد عامر ديرشوي
كاتب ومحلل أكاديمي
من "دباشان" إلى "اتفاقية السجن".. سايكولوجيا الناخب الناقم في السليمانية ومعضلة الاستقرار السياسي
النموذج الانتخابي والاستقرار السياسي
تختلف النظم الانتخابية في قدرتها على إنتاج الاستقرار السياسي باختلاف طبيعة النظام الحزبي الذي تفرزه صناديق الاقتراع. ففي بعض الدول، كالولايات المتحدة واليابان، وإلى حد كبير المملكة المتحدة، تقود القواعد الانتخابية غالباً إلى نظام حزبي ثنائي، يستطيع فيه أحد الحزبين الرئيسيين الحصول على أغلبية برلمانية تمكنه من تشكيل الحكومة وتمرير القوانين والموازنات دون الحاجة إلى مفاوضات ائتلافية معقدة.
أما في المقابل، فإن الأنظمة التي تعتمد التمثيل النسبي – ومن بينها إقليم كوردستان والعراق الاتحادي، إلى جانب دول مثل ألمانيا وإيطاليا والنمسا وبلجيكا وهولندا – تنتج برلمانات متعددة الأحزاب، لا يستطيع فيها أي حزب، في الغالب، الحصول بمفرده على الأغلبية المطلقة اللازمة لتشكيل الحكومة.
وفي مثل هذه الأنظمة، لا تنتهي العملية السياسية بإعلان نتائج الانتخابات، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً، تتمثل في مفاوضات تشكيل التحالفات القادرة على إنتاج أغلبية برلمانية مستقرة. لذلك فإن تأخر تشكيل الحكومات أو تعثر المفاوضات ليس ظاهرة كردستانية، بل سمة معروفة في معظم الديمقراطيات البرلمانية متعددة الأحزاب.
ومن هذا المنطلق، فإن الاتفاقات السياسية بين الأحزاب لا تُعد ترفاً سياسياً، وإنما ضرورة يفرضها النظام الانتخابي نفسه. فهي الوسيلة التي تتحول من خلالها نتائج الانتخابات إلى حكومة مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وسياسات عامة قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وتعزيز الثقة بالنظام الديمقراطي.
غير أن هذه الحقيقة تقود إلى سؤال أكثر أهمية من مجرد السؤال عن وجود اتفاق سياسي من عدمه، وهو:
أي نوع من الاتفاقات نحتاج؟
التحالفات البرلمانية... ليست جميعها سواء
قبل تقييم أي اتفاق سياسي، لا بد من التمييز بين نوعين من التحالفات في الأنظمة البرلمانية متعددة الأحزاب، إذ لا تؤدي جميع التحالفات الوظيفة نفسها، ولا يُقاس نجاحها بعدد الأحزاب الموقعة عليها، وإنما بالغاية التي قامت من أجلها.
فالنوع الأول هو التحالفات التي تُبنى لإنتاج أغلبية برلمانية مستقرة، تؤدي إلى تشكيل حكومة قادرة على اتخاذ القرار، وتمرير القوانين، وحماية المؤسسات، وتوفير بيئة مستقرة للمواطن والاقتصاد والاستثمار.
أما النوع الثاني فهو التحالفات التي يكون هدفها الأساسي إعادة رسم موازين القوى، أو تحسين الموقع التفاوضي لهذا الطرف أو ذاك، أو تعطيل عمل البرلمان، أو منع اكتمال النصاب، أو تأجيل تشكيل الحكومة.
والفرق بين النوعين ليس شكلياً، بل يتعلق بوظيفة التحالف ذاتها. فالتحالف الأول يعزز ثقة المواطن بالعملية الديمقراطية ويقوي مؤسسات الحكم، بينما يؤدي الثاني إلى إطالة عمر الأزمات، وإضعاف المؤسسات، وزيادة حالة عدم اليقين لدى المواطن والمستثمر والشركاء الإقليميين والدوليين.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: من تحالف مع من؟ وإنما: أي وظيفة سياسية يؤديها هذا التحالف؟ وهل يسهم في إنتاج الاستقرار أم في إعادة إنتاج الأزمة؟
ماهية الاتفاق السياسي في الأعراف الكوردستانية
لم تكن الاتفاقات السياسية يوماً ظاهرة غريبة على الحياة السياسية في إقليم كوردستان، سواء خلال مرحلة النضال في الجبال أو بعد تأسيس مؤسسات الحكم والبرلمان.
فالخبرة السياسية الكوردستانية راكمت عبر العقود نموذجاً واضحاً في إدارة الخلافات، يقوم على تشكيل وفود تفاوضية رفيعة المستوى من المكاتب السياسية للأحزاب، تعقد جولات تفاوض معلنة، يتبادل خلالها الطرفان وجهات النظر والتنازلات، وصولاً إلى حلول وسط تحقق قدراً من التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة. وعادة ما تُتوَّج هذه العملية بتوقيع اتفاق رسمي بحضور الوفود المفاوضة وقيادات الأحزاب ووسائل الإعلام.
وقد شهدت الساحة الكوردستانية نماذج متعددة لهذا النوع من الاتفاقات، سواء في الاتفاق الاستراتيجي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني عام 2007، أو في اتفاق "دباشان" الموقع بين الاتحاد الوطني وحركة گۆران في 17 أيار/مايو 2016. ورغم اختلاف التقييمات اللاحقة لذلك الاتفاق، فإنه جاء بعد مفاوضات سياسية معروفة، ووقّعته وفود رسمية وقيادات مخضرمة من الطرفين، وفق الأعراف السياسية السائدة في الإقليم.
"اتفاق السجن"... قراءة في طبيعة الاتفاق
إذا قورنت هذه الخبرة السياسية بالاتفاق الأخير بين الاتحاد الوطني الكوردستاني وحراك الجيل الجديد، والذي شاع وصفه إعلامياً بـ"اتفاق السجن"، فإن عدداً من الاختلافات يلفت الانتباه.
فالاتفاق لم تسبقه، بحسب ما أُعلن، جولات تفاوض مؤسسية بين وفود المكاتب السياسية للحزبين، كما غابت عن مراسم توقيعه شخصيات تفاوضية بارزة من الصف القيادي التقليدي في الاتحاد الوطني، الأمر الذي جعل طبيعة الاتفاق وآليات الوصول إليه تختلف عن كثير من الاتفاقات السياسية السابقة في الإقليم.
كما أن توقيت الاتفاق والظروف التي أحاطت به، ولا سيما تزامنه مع الإفراج عن رئيس حراك الجيل الجديد وتسوية الملفات القضائية المرتبطة به، مقابل إعلان تقارب سياسي وبرلماني بين الطرفين، فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الدوافع التي حكمت هذا التفاهم، ومدى قدرته على التحول إلى شراكة سياسية مستقرة طويلة الأمد.
ومن منظور تحليل موازين القوى، يرى كثير من المراقبين أن الاتفاق جاء بين طرفين يختلفان بصورة واضحة من حيث الإمكانات السياسية والتنظيمية. فالطرف الأول يمتلك مؤسسات راسخة، وأجهزة أمنية، وحضوراً واسعاً داخل مؤسسات السلطة، وعلاقات سياسية متشعبة داخل العراق وخارجه، في حين يدخل الطرف الثاني الاتفاق وهو يمر بأزمة سياسية وقانونية معقدة، الأمر الذي يدفع بعض المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت العلاقة بين الطرفين تقوم على شراكة سياسية متكافئة، أم على تفاهم فرضته ظروف استثنائية.
ولا يتعلق جوهر هذا التساؤل بمن تحالف مع من، فذلك حق تكفله قواعد العمل الديمقراطي، وإنما بقدرة هذا التحالف على تحقيق الغاية الأساسية التي يُفترض أن تقوم عليها التحالفات البرلمانية، وهي إنتاج أغلبية مستقرة، وتفعيل عمل البرلمان، والمساهمة في تشكيل حكومة قادرة على إدارة الإقليم، لا أن يتحول إلى أداة جديدة في إدارة الصراع السياسي أو إعادة توزيع موازين القوى.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم هذا الاتفاق ينبغي أن ينطلق من نتائجه المتوقعة على استقرار المؤسسات، وليس من هوية أطرافه أو طبيعة الخلافات السياسية القائمة بينهم.
لماذا فشل اتفاق دباشان؟ ولماذا قد يفشل "اتفاق السجن"؟
لفهم المآلات المحتملة لهذا الاتفاق، لا يكفي الاكتفاء بقراءة نصوصه أو ظروف توقيعه، بل ينبغي العودة إلى البنية الاجتماعية والسياسية للناخب في محافظة السليمانية، لأن سلوك الناخب هناك هو العامل الحاسم في صعود الأحزاب وهبوطها.
خلال العقدين الأولين من عمر حكومة إقليم كوردستان، كانت السليمانية تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار السياسي، وكان الاتحاد الوطني الكوردستاني، بقيادة الرئيس الراحل مام جلال طالباني، يمثل القوة السياسية المهيمنة، إذ كان يحصد ما يقارب 60% من أصوات الناخبين، فيما كانت أحزاب الإسلام السياسي تحصل على نحو 15%، بينما حافظ الحزب الديمقراطي الكردستاني على قاعدة انتخابية مستقرة تراوحت بين 12% و 14%، إلى جانب نسبة من الأصوات المتأرجحة التي لم تكن مرتبطة بولاءات حزبية ثابتة بقدر ارتباطها بالأداء الحكومي والخدمات ومستوى المعيشة.
لكن هذه الخريطة بدأت تتغير تدريجياً مع تزايد شعور شريحة واسعة من ناخبي الاتحاد الوطني بعدم الرضا عن مستوى الإدارة والخدمات، وتصاعد الانتقادات المتعلقة بالفساد، ولا سيما عند المقارنة بين واقع التنمية في مناطق نفوذ الاتحاد الوطني وبين ما شهدته أربيل ودهوك من مشاريع إعمار وتطوير عمراني خلال السنوات نفسها.
في هذه البيئة برزت حركة التغيير (كوران) باعتبارها الممثل السياسي الأبرز لهذا المزاج الاحتجاجي. فقد قدمت نفسها بوصفها مشروعاً للإصلاح ومكافحة الفساد وإعادة تصحيح مسار الحكم في السليمانية، واستطاعت أن تستقطب شريحة واسعة من الناخبين الذين كانوا قد غادروا الاتحاد الوطني، محققة نتائج انتخابية مهمة، أبرزها حصولها على 25 مقعداً في انتخابات عام 2009.
غير أن التحول الأهم جاء عندما وقعت حركة كوران اتفاق دباشان مع الاتحاد الوطني الكوردستاني عام 2016. فمن الناحية السياسية، كان الاتفاق محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحزبين، إلا أن قطاعاً واسعاً من جمهور كوران لم ينظر إليه بهذه الصورة، بل اعتبره تراجعاً عن الخطاب السياسي الذي قامت عليه الحركة منذ تأسيسها. فجزء كبير من ناخبيها لم يصوت لها لتكون شريكاً للاتحاد الوطني، وإنما لتكون بديلاً عنه ورقيباً عليه، الأمر الذي أدى إلى تآكل رصيدها الشعبي بصورة متسارعة، وانعكس لاحقاً في نتائجها الانتخابية وتراجع حضورها السياسي.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة الاتفاق الأخير بين الاتحاد الوطني الكوردستاني وحراك الجيل الجديد.
فالجيل الجديد بنى جزءاً مهماً من خطابه السياسي على معارضة الاتحاد الوطني، واستقطب نسبة معتبرة من الأصوات الاحتجاجية في السليمانية، كما تبنى رئيسه، شاسوار عبد الواحد، خلال مراحل مختلفة من خطابه السياسي، مواقف وتصريحات شديدة اللهجة تجاه قيادة الاتحاد الوطني، وهو ما عزز لدى جزء من جمهوره قناعة بأنه يمثل امتداداً للتيار الاحتجاجي المعارض، وليس مشروعاً للتحالف مع السلطة القائمة.
لذلك، فإن انتقال الجيل الجديد إلى توقيع اتفاق سياسي مع الاتحاد الوطني يطرح السؤال نفسه الذي طُرح سابقاً بعد اتفاق دباشان: كيف سيفسر الناخب الاحتجاجي هذا التحول؟
فإذا كان جزء كبير من قاعدة الجيل الجديد قد منح أصواته للحركة باعتبارها بديلاً سياسياً عن الاتحاد الوطني، فإن انتقالها إلى التحالف معه قد يدفع هذه الشريحة إلى إعادة النظر في خياراتها الانتخابية، تماماً كما حدث سابقاً مع جزء من جمهور كوران.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن السيناريو سيتكرر بصورة حرفية؛ فلكل مرحلة ظروفها السياسية المختلفة، إلا أن علم السلوك الانتخابي يشير إلى أن الناخب الذي يصوت بدافع الاحتجاج يكون عادة أكثر حساسية تجاه التحولات المفاجئة في التحالفات السياسية، ولا سيما إذا شعر بأن الحزب الذي صوّت له قد ابتعد عن الخطاب الذي منحه على أساسه ثقته.
وفي الأنظمة الديمقراطية، لا تُقاس الأحزاب بقدرتها على دخول البرلمان فحسب، وإنما أيضاً بمدى وفائها بالتصورات والالتزامات السياسية التي قدمتها للناخبين أثناء الحملات الانتخابية. فالناخب لا يمنح صوته للأشخاص وحدهم، بل يمنحه أيضاً للبرنامج السياسي وللمواقف المعلنة. ولذلك فإن أي انتقال من موقع المعارضة إلى موقع التحالف يحتاج إلى تفسير سياسي واضح ومقنع يحافظ على الثقة بين الحزب وقاعدته الانتخابية، وإلا فإن ثمن هذا التحول قد يظهر في أول اختبار انتخابي قادم.
الخاتمة والسؤال الجوهري: إلى أين ستتجه الأصوات المتمردة؟
القضية في نهاية المطاف ليست في أن يتحالف هذا الحزب أو ذاك؛ فالتحالفات السياسية جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، ولا يمكن الاعتراض عليها من حيث المبدأ. إنما السؤال الحقيقي يتعلق بوظيفة هذا التحالف: هل جاء لإنتاج أغلبية برلمانية مستقرة، وتشكيل حكومة قادرة على إدارة الإقليم، أم أنه جاء لإعادة رسم موازين القوى دون أن يقدم حلاً عملياً للأزمة السياسية؟
ففي الأنظمة البرلمانية متعددة الأحزاب، تُقاس قيمة التحالفات بقدرتها على إنتاج الاستقرار، لا بعدد الموقعين عليها. فالتحالف الذي يفضي إلى تشكيل حكومة مستقرة، ويعزز عمل البرلمان، ويحترم نتائج الانتخابات، يسهم في ترسيخ الثقة بالمؤسسات الديمقراطية. أما التحالف الذي يؤدي إلى تعطيل المؤسسات أو إطالة أمد الفراغ السياسي، فإنه قد يحقق مكاسب تكتيكية لبعض أطرافه، لكنه لا يحقق استقراراً دائماً للمواطن أو للإقليم.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن تنشغل به مراكز الدراسات والباحثون في الشأن الكردستاني ليس فقط مستقبل هذا الاتفاق، بل مستقبل المزاج الانتخابي في محافظة السليمانية:
إلى أين ستتجه الكتلة الناخبة التي بنت خياراتها السياسية على الاحتجاج ورفض سیاسة الإتحاد الوطني في السليمانية؟
فرضية الحزب الديمقراطي الكوردستاني
من المستبعد أن تنتقل هذه الأصوات بصورة جماعية إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليس لأن الحزب يفتقر إلى الحضور السياسي في السليمانية، وإنما لأن جزءاً كبيراً من هذه الكتلة الاحتجاجية لا يتحرك بدافع المفاضلة بين البرامج الحكومية، بقدر ما يتحرك بدافع الاعتراض على الاتحاد الوطني الكوردستاني.
والحزب الديمقراطي الكوردستاني، على الرغم من تنافسه السياسي مع الاتحاد الوطني، لا ينطلق من منطق إلغاء الشريك أو تصفية الحسابات معه، بل ينظر إليه بوصفه شريكاً أساسياً في حماية التجربة الدستورية لإقليم كوردستان، وشريكاً لا يمكن تجاوز دوره في بناء حكومة مستقرة وإدارة الإقليم.
ولهذا، فإن خطاب الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقي، طوال مرحلة المفاوضات التي استمرت عدة أشهر بعد الانتخابات، موجهاً نحو التفاهم وتشكيل الحكومة، لا نحو الاستثمار في الانقسامات أو تعميقها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار الإقليم يتقدم على أي مكسب حزبي آني.
فرضية الإسلام السياسي
كما يبدو من غير المرجح أن تتجه هذه الكتلة الاحتجاجية نحو أحزاب الإسلام السياسي، لأن جزءاً كبيراً منها يحمل توجهاً مدنياً أو علمانياً، ويرى في تلك الأحزاب مشروعاً سياسياً مختلفاً عن تطلعاته الفكرية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل انتقالها إليها انتقالاً محدود الاحتمال.
الاحتمال الأول: استمرار الشعبوية السياسية
إذا بقيت الأسباب التي دفعت هذه الشريحة إلى الاحتجاج قائمة، فقد تبحث مستقبلاً عن قوة سياسية جديدة تتبنى الخطاب الاحتجاجي ذاته، وتعيد إنتاج الوعود ذاتها، حتى وإن تغيرت الأسماء والعناوين.
وبذلك تستمر الحلقة نفسها: انتقال الأصوات من حزب احتجاجي إلى آخر، دون أن يتحقق استقرار سياسي أو إصلاح مؤسسي حقيقي.
الاحتمال الثاني: استعادة السياسة لمسارها الطبيعي
أما الاحتمال الثاني، وهو الأكثر فائدة للإقليم والسليمانية معاً، فيتمثل في أن تستعيد القوى السياسية، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكوردستاني، ثقة جمهورها عبر مراجعة تجربتها في الحكم، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية، ومحاربة الفساد، والعودة إلى المنافسة على أساس البرامج والإنجازات لا على أساس الصفقات السياسية وردود الأفعال.
كما أن استقرار الإقليم يتطلب عودة المفاوضات إلى مسارها الطبيعي بين القوى الرئيسة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، باعتبارهما الطرفين اللذين أفرزتهما نتائج الانتخابات بوصفهما الكتلتين الأكبر والأكثر قدرة على إنتاج أغلبية برلمانية مستقرة، تقود إلى تشكيل الكابينة الحكومية العاشرة، وتعيد تفعيل المؤسسات الدستورية بما يخدم المواطن قبل أي طرف سياسي.
خاتمة
إن استقرار إقليم كوردستان لا يتحقق بكثرة الاتفاقات، وإنما بنوعية الاتفاقات.
فالتحالف الذي ينتج حكومة قوية، ويحترم إرادة الناخب، ويعزز عمل البرلمان، يضيف لبنة جديدة في بناء التجربة الديمقراطية. أما التحالف الذي يضيف رقماً جديداً إلى معادلات التعطيل أو يؤجل الاستحقاقات الدستورية، فإنه قد يربح جولة سياسية، لكنه يخسر ثقة المواطن.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي سيجيب عنه المستقبل ليس:
من ربح هذا الاتفاق؟ بل:
هل جعل هذا الاتفاق مؤسسات الإقليم أكثر استقراراً، أم جعلها أكثر عرضة للاستقطاب والأزمات؟
فإذا كان الهدف النهائي من السياسة هو خدمة المواطن، فإن المعيار الذي يجب أن تُقاس به جميع التحالفات هو قدرتها على حماية المؤسسات، وتوفير الاستقرار، وتأمين رغيف المواطن، لا مجرد إعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية.