مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
إقليم كوردستان: بين الكابينة التاسعة والعاشرة
ليست كل الحكومات تترك وراءها مشروعاً يمكن البناء عليه. فبعضها ينشغل بإدارة الأزمات حتى تنتهي ولايته، فيما تنجح حكومات أخرى في تحويل الأزمات نفسها إلى فرصة لإعادة رسم الأولويات. وعندما تقترب مرحلة تشكيل حكومة جديدة، لا يصبح السؤال من سيقودها فقط، بل ما إذا كان المشروع الذي بدأ قد وصل إلى نهايته، أم أنه لا يزال يحتاج إلى من يكمله.
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم مع اقتراب تشكيل الكابينة العاشرة لحكومة إقليم كوردستان. فبعد سبع سنوات من قيادة مسرور بارزاني للكابينة التاسعة، لم يعد النقاش يقتصر على تقييم ما تحقق، بل امتد إلى مستقبل مشروع إصلاحي وتنموي بدأ في ظروف استثنائية، وما إذا كانت المرحلة المقبلة تتطلب استمرارية هذا المسار. في مثل هذا اليوم، عندما تولت الكابينة التاسعة مهامها عام 2019، لم يكن المشهد مريحاً. فقد واجه الإقليم تحديات متزامنة؛ أزمة مالية متراكمة، وجائحة كورونا التي أربكت اقتصادات العالم، وخلافات مستمرة مع بغداد حول الملفات المالية والنفطية، ثم توقف صادرات نفط الإقليم، وهو ما وضع الحكومة أمام اختبار لم يكن يتعلق بإدارة الخدمات فقط، بل بالحفاظ على استقرار الإقليم في واحدة من أكثر مراحله حساسية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومات في كثير من دول العالم تركز على احتواء الأزمات، اختارت الكابينة التاسعة لحكومة الإقليم المضي في برنامج إصلاحي طويل الأمد. لم يكن الطريق سهلاً، لكن الرهان كان واضحاً: لا يمكن بناء اقتصاد مستقر بالاعتماد على الاقتصاد الريعي وحده، ولا يمكن جذب الاستثمارات دون خلق بنية تحتية حديثة، ولا يمكن تطوير الإدارة العامة دون التحول الرقمي.
وبحسب البيانات الصادرة عن دائرة الإعلام والمعلومات في حكومة إقليم كوردستان، تجاوز حجم الاستثمارات خلال الكابينة التاسعة 22.7 مليار دولار، توزعت على مشاريع في البنية التحتية، والطاقة، والإسكان، والسياحة، والصناعة، والزراعة. كما شهد الإقليم توسعاً في بناء السدود وشبكات الطرق، وإطلاق مشاريع للتحول الرقمي، وتطوير قطاع الكهرباء، في محاولة لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة الأزمات.
وربما كان مشروع "روناكي" المثال الأوضح على هذا التوجه. ففي عالم أصبحت فيه الطاقة معياراً أساسياً لجذب الاستثمار، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة، بل عنصر من عناصر النمو الاقتصادي. كما أن الاستثمار في السدود وإدارة الموارد المائية جاء في وقت باتت فيه قضية المياه واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الشرق الأوسط، بينما مثل مشروع "حسابي" والخدمات الإلكترونية خطوة نحو تحديث الإدارة العامة وتعزيز الشفافية.
ومن بين الجوانب التي ميّزت الكابينة التاسعة أيضاً، اعتمادها نهجاً أكثر انفتاحاً في عرض البيانات الحكومية ونشر المؤشرات الرسمية المتعلقة بالمشاريع والإنفاق والخدمات. فقد أصبحت التقارير الدورية والأرقام والإحصاءات جزءاً من الخطاب الحكومي، مما أتاح للباحثين ووسائل الإعلام والمواطنين متابعة الأداء بصورة أكثر وضوحاً. ورغم أن أي تجربة حكومية تبقى قابلة للنقد والتطوير، فإن ترسيخ ثقافة الشفافية من خلال الإفصاح والرقمنة والاعتماد على البيانات مثّل تحولاً مؤسسياً يتجاوز عمر أي حكومة، وعزز مبادئ الشفافية والمساءلة التي أصبحت من المعايير الأساسية للحكم الرشيد في التجارب الدولية.
لكن الإنجازات وحدها لا تختصر القصة كاملة. فما يميز تجربة الكابينة التاسعة أنها لم تعمل في بيئة مستقرة، بل وسط ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متواصلة. ففي الداخل، واجهت الحكومة معارضة سياسية رافقت معظم خطواتها الإصلاحية، خصوصاً في الملفات المالية والإدارية التي مست مصالح تراكمت على مدى سنوات. وكان من الطبيعي أن تثير هذه الإصلاحات جدلاً واسعاً، لأنها لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل إعادة ترتيب لعلاقة الدولة بمؤسساتها ومواردها.
أما خارجياً، فقد وجد الإقليم نفسه وسط منطقة تعيش على وقع أزمات متلاحقة، من التوترات الإقليمية إلى الصراعات التي كادت في أكثر من محطة أن تمتد آثارها إلى حدوده. وفي خضم هذه التحولات، كان الحفاظ على استقرار إقليم كوردستان تحدياً لا يقل أهمية عن تنفيذ المشاريع الاقتصادية. فقد سعت حكومة الإقليم إلى تجنيب كوردستان تداعيات التصعيد، مع الحفاظ على علاقاتها الإقليمية والدولية، ومواصلة جذب الاستثمارات رغم بيئة لم تكن مشجعة في كثير من الأحيان. ولذلك، فإن النقاش حول الكابينة العاشرة لا يتعلق بالأسماء بقدر ما يتعلق باستمرارية السياسات. فالتجارب الدولية تثبت أن مشاريع الإصلاح الكبرى لا تُقاس بعمر حكومة واحدة، بل تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها، كما أن تغيير الأولويات في منتصف الطريق قد يحمل كلفة اقتصادية وإدارية لا تقل عن كلفة الأزمات نفسها.
ومن هذه الزاوية، يطرح اسم مسرور بارزاني بقوة في النقاش السياسي، ليس لأن المرحلة تفتقر إلى القيادات، بل لأن كثيراً من المشاريع التي أطلقت خلال السنوات السبع الماضية لم تصل بعد إلى محطتها الأخيرة، ولا يزال كثير منها بحاجة إلى استكمال. فالسؤال الذي يطرحه مؤيدوه ليس من يستحق رئاسة الحكومة المقبلة، بل من يمتلك المعرفة والخبرة لاستكمال مشروع بدأ بالفعل، في وقت لا تزال فيه ملفات الطاقة، والاستثمار، والرقمنة، والعلاقة مع بغداد، بحاجة إلى قرارات متسقة ورؤية طويلة الأمد ومع ذلك، فإن استمرارية القيادة ليست هدفاً بحد ذاتها، ولا تمثل ضمانة تلقائية للنجاح. فالمرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة من سابقتها، لأنها مرحلة قياس النتائج. فالمواطن لن يحكم على الحكومات بعدد المشاريع التي أُعلنت، بل بما انعكس منها على حياته اليومية، من فرص عمل، واستقرار اقتصادي، وتحسن في الخدمات، وبيئة استثمارية أكثر جاذبية.
لهذا، فإن الكابينة العاشرة ستكون أمام اختبار مختلف. فإذا كانت الكابينة التاسعة قد انشغلت بوضع الأسس، وأنجزت مئات المشاريع في مختلف القطاعات، فإن المرحلة المقبلة مطالبة بتحويل هذه المنجزات إلى نتائج مستدامة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. وهنا يكمن جوهر النقاش حول مسرور بارزاني؛ ليس بوصفه شخصية سياسية فحسب، بل باعتباره رئيس الحكومة الذي ارتبط اسمه بإطلاق رؤية إصلاحية منذ عام 2019، وهو ما يجعل كثيرين يرونه رجل المرحلة القادمة، ليس لأن التجربة بلغت الكمال، بل لأن المشروع الذي يقوده لم يكتمل بعد، ولأن استمرارية الرؤية قد تكون، في هذه المرحلة، الخيار الأكثر قدرة على تحويل ما تحقق إلى إنجازات راسخة في مستقبل إقليم كوردستان.