سيد رضا .. حكيمُ ديرسم وشيخُ الكرامة الكوردية الذي واجه المشنقة بثبات الجبال
يُعد سيد رضا واحدًا من أبرز القادة الوطنيين في التاريخ الكوردي الحديث، ومن أهم الشخصيات التي ارتبط اسمها بالمقاومة الكوردية في كوردستان الشمالية (كوردستانا باكور) جمع بين الزعامة الدينية والقيادة العشائرية والحكمة السياسية وأصبح رمزًا لانتفاضة ديرسم (1937–1938)، التي تُعد إحدى أبرز المحطات في تاريخ القضية الكوردية في تركيا خلال القرن العشرين وقد ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الكوردية بوصفه قائدًا تمسك بكرامة شعبه حتى لحظاته الأخيرة وأصبح اسمه رمزًا للصمود والإباء في مواجهة السلطة المركزية.
النشأة والبدايات:
وُلد سيد رضا قرابة عام 1863 في منطقة ديرسم التي تسمى ولاية تونجلي حاليا في شرق تركيا ونشأ في أسرة كوردية ذات مكانة دينية واجتماعية مرموقة وكان ينتمي إلى عشيرة كبيرة وهي الحسنان ذات نفوذ في المنطقة الأمر الذي أكسبه احترام القبائل منذ شبابه تلقى علومه الدينية وفق التقاليد السائدة في المنطقة فاكتسب مكانة الشيخ والمرشد إلى جانب حضوره بوصفه زعيمًا عشائريًا يتمتع بالحكمة والقدرة على الإصلاح بين الناس.
مكانته الدينية والاجتماعية:
لم تكن زعامة سيد رضا قائمة على النفوذ العشائري وحده بل على الثقة التي حظي بها بين أبناء ديرسم فقد عُرف بالحكمة، والعدل، والدفاع عن أبناء منطقته، وكان مرجعًا في حل النزاعات، الأمر الذي جعل اسمه يحظى بمكانة كبيرة بين جميع القبائل الكوردية في ديرسم، حتى غدا أحد أبرز رموزها الاجتماعية والوطنية.
من الشيخ إلى قائد المقاومة:
خلال الحرب العالمية الأولى قاد قبيلة حسنان إلى جانب الدولة العثمانية ضد الإمبراطورية الروسية أثناء احتلالهم لشرق الأناضول ومنطقة ديرسم ويُذكر أنه لم يمتثل دائماً لمطالب العثمانيين حيث رفض تسليم الأرمن في منطقة نفوذه لترحيلهم خلال الإبادة الجماعية للأرمن كما منح الحماية لقادة كوجكيري في سيواس و دياريكر بعد تأسيس تركيا في عام 1923، كان سيد رضا مصدر قلق دائم للحكومة التركية حيث ظل متمتعاً بحكم ذاتي إلى حد كبير وبعيداً عن سيطرة السلطات في منطقة ديرسم بعد صدور قانون إعادة التوطين في عام 1934، وقانون تونجلي في عام 1935.
قائد انتفاضة ديرسم:
في عام 1937 بدأ سيد رضا في معارضة السلطات التركية بسبب نص قانون تونجلي على أن منطقة ديرسم ستصبح ولاية تونجلي ووضعها تحت السيطرة العسكرية للمفتشية العامة الرابعة من خلال عملية عسكرية ضد السكان الأصليين الذين يعيشون هناك خلال احتفالات عيد النوروز في مارس 1937، دعا سيد رضا إلى الدفاع عن خصوصية مجتمعه وحقوق أبناء منطقته كهدف رئيسي ضد الحكومة التركية واصبح القائد الابرز لانتفاضة ديرسم التي اندلعت في ظل تصاعد الصدام بين الدولة وسكان المنطقة.
وأصبح اسمه خلال تلك المرحلة عنوانًا للمقاومة في جبال ديرسم والتف حوله عدد من زعماء العشائر والمقاتلين، الذين رأوا فيه قائدًا يتمتع بالحنكة والشجاعة والقدرة على توحيد الصفوف في ظروف بالغة الصعوبة.
المواجهة مع الجيش التركي:
واجهت قوات سيد رضا جيشًا نظاميًا يفوقها عددًا وعتادًا مدعومًا بقدرات عسكرية كبيرة وشهدت المنطقة عمليات عسكرية واسعة خلال عامي 1937 و1938، وانتهت بسيطرة القوات الحكومية على ديرسم بعد معارك قاسية وخسائر كبيرة ولا تزال تلك الأحداث محل دراسة ونقاش تاريخي حتى اليوم.
الاعتقال والمحاكمة والاعدام :
قُبض على السيد رضا مع اثنين وسبعين مناضلا وهم في طريقهم للمفاوضات مع الحكومة التركية، حُوكم سيد رضا وحُكم عليه بعد محاكمة استمرت أسبوعين وتألفت من ثلاث جلسات صدر الحكم النهائي يوم السبت وهو يوم غير معتاد للغاية لانعقاد المحكمة في ذلك الوقت رفض رئيس قضاة المحكمة في البداية إصدار حكمه النهائي يوم السبت، متذرعاً بنقص الكهرباء في الليل وغياب الجلاد بعد أن رتبت السلطات المحلية لإضاءة قاعة المحكمة بالمصابيح الأمامية للسيارات ووجدت جلاداً تم إعداد كل شيء لإصدار الحكم حُكم بالإعدام على أحد عشر رجلاً بمن فيهم سيد رضا نفسه وابنه أوشين سيد، وعلي ميرزا سيلي، وجبرائيل آغا، وحسن آغا، وفندق آغا، ورسيك حسين، وحسن إبراهيم كجي. كان سيد رضا يبلغ من العمر 74 عاماً عندما أُعلن الحكم مما يجعله غير مؤهل قانونياً للإعدام شنقاً ومع ذلك، قبلت المحكمة أنه كان في الـ 54 من عمره وليس الـ 74 لم يفهم رضا حكمه حتى رأى المشنقة وتم شنقه بتاريخ 15/11/1937 في مدينة الازيغ في كوردستان الشمالية (كوردستانا باكور) ومنذ ذلك اليوم، أصبح اسمه رمزًا للتضحية والكرامة في الوجدان الكوردي والتي تعكس صورة القائد الثابت أمام الموت.
إرثه التاريخي:
يحتل سيد رضا مكانة رفيعة في التاريخ الكوردي الحديث، لأنه جمع بين القيادة الدينية والزعامة الاجتماعية والرمزية الوطنية في مرحلة مفصلية من تاريخ كوردستان الشمالية (كوردستانا باكور) وقد أصبحت انتفاضة ديرسم جزءًا أساسيًا من الذاكرة القومية الكوردية وأصبح سيد رضا أحد أبرز وجوهها.
ورغم انتهاء الانتفاضة عسكريًا فإن اسمه بقي حاضرًا في الأدبيات الكوردية بوصفه رمزًا للصمود والثبات كما لا تزال سيرته تُستحضر في الدراسات التاريخية والفعاليات الثقافية المتعلقة بتاريخ ديرسم والقضية الكوردية ويُنظر إليه بوصفه واحدًا من أبرز القادة الذين جسدوا في نظر كثير من الكورد قيم القومية والكرامة والوفاء للأرض والهوية الكوردية إلى جانب الشيخ سعيد بيران وإحسان نوري باشا باعتبارهم من أعلام ورموز الحركة الوطنية الكوردية في القرن العشرين في كوردستان الشمالية (كوردستانا باكور).