صلاح بكر
كاتب
بين بغداد وأربيل.. منجزات الطاقة وفاتورة الخسائر المشتركة
يمثل قطاع الطاقة في إقليم كوردستان العراق نموذجاً فريداً في التنمية وبناء البنية التحتية من نقطة الصفر. فمنذ إقرار الدستور العراقي عام 2005، نجحت أربيل في تحويل الإقليم إلى لاعب إقليمي بارز في سوق الطاقة العالمي، إلا أن التوقف القسري لصادرات النفط عبر خط الأنابيب المتجه إلى ميناء جيهان التركي منذ مارس 2023، وضع الاقتصاد العراقي بكامله أمام نزيف مالي حاد وخسائر مليارية طالت المركز والإقليم على حد سواء.
قصة نجاح: منجزات إقليم كوردستان في قطاع الطاقة
رغم التحديات السياسية والجغرافية المعقدة، تمكنت حكومة إقليم كوردستان، عبر وزارة الثروات الطبيعية، من تحقيق طفرة مؤسساتية واستثمارية هائلة خلال العقدين الماضيين، وتتجلى أبرز هذه المنجزات في:
۱. جذب الاستثمارات العالمية: نجحت أربيل في صياغة بيئة قانونية وتشريعية مرنة جذبت كبرى الشركات النفطية العالمية والشركات المستقلة (مثل DNO النرويجية، وجينيل إنيرجي، ودانة غاز). هذا النموذج الاستثماري قفز بمعدلات الإنتاج من بضعة آلاف من البراميل إلى ذروة بلغت نحو 450 ألف برميل يومياً.
۲. تشييد خط الأنابيب المستقل: يُعد إنشاء خط أنابيب التصدير الممتد من حقول الإقليم إلى الحدود التركية بطول يتجاوز 400 كيلومتر إنجازاً هندسياً ولوجستياً استراتيجياً، منح الإقليم القدرة على تصدير نفطه ورفد الاقتصاد الوطني بمليارات الدولارات.
۳. تطوير قطاع الغاز والأمن المائي: لم تقتصر المنجزات على النفط؛ إذ حقق الإقليم قفزة نوعية في استغلال الغاز الطبيعي عبر تطوير حقل "كورمور"، والذي بات يغذي اليوم محطات توليد الكهرباء مساهماً في إنتاج أكثر من 80% من الطاقة الكهربائية في الإقليم، فضلاً عن تأمين الغاز المسال (LPG) للاستخدام المنزلي.
٤. توطين الوظائف (الكوردنة): فرضت حكومة الإقليم شروطاً صارمة لتدريب وتشغيل العمالة المحلية، مما رفع نسبة الكوادر الوطنية في الشركات النفطية العاملة بالإقليم إلى أكثر من 80%، وخلق طبقة تكنوقراط كوردستانية قادرة على إدارة المنشآت المعقدة.
٥. البنية التحتية والعمران: شكلت العائدات النفطية الرافعة الأساسية لحركة الإعمار الحديثة في الإقليم، فبفضلها شُيدت شبكات الطرق السريعة، والمطارات الدولية في أربيل والسليمانية، والمستشفيات والجامعات، مما جعل مدن الإقليم مركزاً جاذباً للاستثمار والسياحة.
الفاتورة الباهظة: خسائر العراق من توقف نفط جيهان
في المقابل، أدى توقف تصدير نفط الإقليم عبر ميناء جيهان التركي منذ مارس 2023 إلى تداعيات كارثية على الاقتصاد العراقي ككل. وتتلخص هذه الخسائر في الأرقام والمؤشرات التالية:
۱. خسائر مالية فلكية: تشير التقديرات الرسمية وتقارير رابطة صناعة النفط في كوردستان (APIKUR) إلى أن توقف التصدير يكلف الاقتصاد العراقي خسائر تفوق مليار دولار شهرياً. وبمجموع الفترات الماضية، تجاوزت الخسائر الإجمالية حاجز 20 مليار دولار، وهي مبالغ ضخمة حُرمت منها الموازنة الاتحادية وكان يمكن أن تسهم في تمويل المشاريع التنموية في عموم البلاد.
۲. تضرر الشركات العالمية وغياب الاستثمار: تسبب التوقف المستمر في خفض الشركات النفطية الأجنبية العاملة في الإقليم لإنفاقها الاستثماري بشكل حاد، وتسريح جزء من العمالة، مما أرسل إشارات سلبيّة للمستثمرين الدوليين حول بيئة الاستثمار في العراق ككل، وليس الإقليم فحسب.
۳. تفاقم العجز المالي وأزمة الرواتب: أدى غياب هذه الإيرادات إلى الضغط على الموازنة العامة في بغداد، وصعوبة تأمين السيولة الكافية لدفع مستحقات ورواتب موظفي الإقليم بانتظام، مما انعكس سلباً على الحركة التجارية والقوة الشرائية للمواطنين.
٤. شروط جزائية وغرامات: ترتب على هذا التوقف تعقيدات قانونية مع الجانب التركي ومطالبات تتعلق بأجور صيانة وتشغيل خط الأنابيب، مما يضيف أعباءً مالية وقانونية أخرى على كاهل الدولة العراقية.
ختاماً، تُثبت لغة الأرقام أن منجزات إقليم كوردستان في قطاع الطاقة كانت رصيداً للاقتصاد الوطني بكامله، وأن استمرار توقف التصدير يمثل نزيفاً مستمراً لثروات العراق. إن الحل يتطلب تجاوز الخلافات السياسية والتوصل إلى صيغة قانونية عاجلة تعيد ضخ "الذهب الأسود" عبر جيهان، لضمان استقرار الإقليم الاقتصادي ودعم الموازنة الاتحادية.