مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
بناء الاستدامة في بيئة معقدة.. التشكيلة التاسعة وحجر الأساس لنهضة كوردستان الحديثة
حين تسلمت التشكيلة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كوردستان مهامها برئاسة مسرور بارزاني، لم تكن ترث مجرد تركة إدارية تقليدية، بل واجهت بيئة مركبة من الأزمات البنيوية المتراكمة مضافاً إليها تحولات جيوسياسية حادة. انطلقت هذه الكابينة من رؤية سياسية تحاول الانتقال بالإقليم من كيان يدير الأزمات بالاعتماد على ريع النفط إلى مؤسسات ذات بنية اقتصادية متنوعة وأمن قومي متماسك. والتحليل المعمق لأداء هذه الحكومة يقتضي تفكيك المشهد إلى مسارات متداخلة سياسية واقتصادية وأمنية، ليس فقط لرصد المشاريع المنجزة، بل لفهم الآليات التي وظفتها الحكومة للالتفاف على العوائق، وكيفية إعادة تموضع الإقليم في المعادلة الإقليمية والدولية.
شهدت المقاربة السياسية للكابينة التاسعة تحولاً جذرياً في أسلوب إدارة الملفات الداخلية والخارجية، حيث تخلت عن الدبلوماسية التقليدية القائمة على التهدئة المؤقتة، واستبدلتها باستراتيجية تثبيت الحقوق الدستورية عبر مأسسة الخلاف. واجهت حكومة مسرور بارزاني سلسلة من القرارات السياسية والاقتصادية الضاغطة من بغداد، لا سيما قرارات المحكمة الاتحادية العليا بشأن عدم دستورية قانون النفط والغاز في الإقليم، وتجميد الصادرات النفطية عبر ميناء جيهان التركي. ولم تتجه الحكومة نحو الانكفاء أو التصعيد العسكري، بل أدارت الأزمة بنَفَس تفاوضي طويل تكلل بصياغة تفاهمات بنيوية أدت إلى تسوية ملف رواتب موظفي الإقليم عبر مشروع حسابي وفتح الحسابات المصرفية. وبذلك تحول الخلاف من صراع حول شرعية الكيان السيادي إلى تفاوض فني وقانوني حول الحقوق المالية والدستورية، وهو ما أمّن اعترافاً ضمنياً ومستداماً بالخصوصية الإدارية لاقليم كوردستان من قبل الحكومات الاتحادية المتعاقبة.
أما على صعيد الإصلاح الهيكلي ومحاربة البيروقراطية، فقد تمثلت العقدة السياسية الداخلية في تضخم الجهاز الإداري وترهل المؤسسات. وركزت رؤية مسرور بارزاني على أن السيادة الحقيقية تبدأ من كفاءة الإدارة الداخلية، حيث أسفر قانون الإصلاح عن تنقية قوائم الخدمة المدنية من آلاف الرواتب المزدوجة وغير القانونية، مما أعاد الثقة بين المواطن والسلطة السياسية. كما أن إطلاق بوابة الحكومة الموحدة وتفعيل أنظمة التحقق الرقمي والتأشيرة الإلكترونية لم يكن مجرد تسهيل إجرائي، بل كان قراراً سياسياً بامتياز لقطع دابر الفساد المالي والإداري، وتقليص نفوذ الوساطات الحزبية داخل الدوائر الحكومية.
مثّل الملف الاقتصادي التحدي الأكبر والأعقد، فاعتماد إقليم كوردستان شبه الكامل على العائدات النفطية في عقود سابقة جعل خططه التنموية رهينة لتقلبات الأسواق العالمية والمزاج السياسي لبغداد، وهنا طبقت الكابينة التاسعة جراحة قيصرية للاقتصاد الكوردستاني. ويُعتبر مشروع حسابي والشمول المالي العمود الفقري للإصلاح المالي الذي قاده مسرور بارزاني. ومن الناحية التحليلية، لم يكن المشروع مجرد آلية لتوزيع الرواتب، بل خطوة لتحويل اقتصاد الإقليم من اقتصاد نقدي مالي يعتمد على السيولة الكاش إلى اقتصاد مصرفي رقمي. وتسجيل قرابة مليون موظف ومتقاعد في المنظومة المصرفية يتيح للحكومة القدرة على التخطيط المالي وضخ السيولة في السوق عبر القروض، ويسهل على القطاع الخاص الحصول على التمويل، فضلاً عن مطابقة المعايير الدولية لمكافحة غسيل الأموال.
من جانب آخر، أدركت الكابينة التاسعة مبكراً أن الحروب القادمة هي حروب مياه وغذاء، وأن إقليم كوردستان يمتلك جغرافية تؤهله ليكون سلة غذاء للمنطقة بأسرها. وإن بناء سدود ضخمة مثل غومسبان وبستورة ودوين وحفر عشرات البرك المائية لم يكن لغرض الاستهلاك الآدمي فحسب، بل لإحداث تغيير في البنية المناخية المحلية، وتأمين مناسيب المياه الجوفية، ودعم مشاريع الري الزراعي العملاقة بطاقة استيعابية تجاوزت مئات الملايين من الأمتار المكعبة. وقد ساهم هذا التوجه في كسر العزلة التصديرية، فلأول مرة في تاريخ الإقليم، بدأت المنتجات الزراعية المحلية، وخاصة رمان حلبجة والعسل والتفاح، تأخذ طريقها إلى الرفوف التجارية في دول الخليج العربي والأسواق الأوروبية، مما منح الفلاح الكوردستاني حافزاً للبقاء في أرضه، وأوقف الهجرة العكسية من الريف إلى المدينة وخفف الضغط على الوظائف الحكومية.
ولا يمكن بناء اقتصاد جاذب للاستثمار دون شبكة طرق لوجستية وطاقة مستقرة، ولذلك ركزت الحكومة على إشراك القطاع الخاص المحلي في تنفيذ مشاريع الطرق السريعة مثل طريق مئة وخمسين المتر في أربيل ومئة المتر في السليمانية لربط المدن الكبرى ببعضها وبالإقليم والمنافذ الحدودية. وفي قطاع الطاقة، جاء مشروع روناكي ليمثل نقلة نوعية في معالجة أزمة الكهرباء المزمنة، وتوفير الطاقة على مدار أربع وعشرين ساعة للأحياء والمناطق التجارية ساهم بشكل مباشر في خفض تكاليف الإنتاج التشغيلية للمصانع والمعامل. والأهم من ذلك، أدى المشروع إلى إيقاف آلاف المولدات الأهلية ذات الانبعاثات السامة، مما وفر ملايين الدولارات التي كانت تهدر على الوقود، وحقق مكسباً بيئياً هائلاً بخفض الكربون وتحسين جودة الهواء في المراكز الحضرية.
وفيما يخص المحور الأمني والسيادي، يقع إقليم كوردستان في قلب منطقة جغرافية شديدة الاضطراب، حيث تحيط به بؤر صراع إقليمية، فضلاً عن التهديد المستمر لجيوب وخلايا تنظيم داعش الإرهابي والنزاعات المسلحة لبعض الجماعات غير النظامية على حدوده. وكان أحد أكبر الإنجازات الاستراتيجية الهادئة للكابينة التاسعة هو المضي قدماً في خطة توحيد قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة وبعيداً عن الأجنحة الحزبية الضيقة. وحظيت هذه الخطوة بدعم وإشراف مباشر من التحالف الدولي، مما منح القوات المسلحة للإقليم صبغة نظامية ومؤسساتية عززت من كفاءتها القتالية والتنظيمية، وجعلت من الإقليم شريكاً موثوقاً في المعادلة الأمنية الدولية لمحاربة الإرهاب.
وقد حافظ إقليم كوردستان في عهد مسرور بارزاني، الذي يمتلك خلفية أمنية واستخباراتية عميقة، على مكانته كواحة أمان واستقرار وسط محيط ملتهب بفضل المقاربة الأمنية الاستباقية، حيث نجحت الأجهزة الأمنية في إحباط عشرات المخططات الإرهابية قبل تنفيذها، واعتماد التقنيات الحديثة في مراقبة الحدود وحفظ الأمن داخل المدن. وانعكس هذا الاستقرار الأمني إيجاباً على الجانب الإنساني والسياسي، إذ استمر الإقليم في احتضان مئات الآلاف من النازحين واللاجئين من مختلف المكونات القومية والدينية كالعرب والتركمان والمسيحيين والإيزيديين، مما عزز من رصيد الإقليم الدبلوماسي لدى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي كمركز للتسامح والتعايش السلمي، وهو ما جذب بدوره الشركات الاستثمارية العالمية التي تبحث عن الأمان لضخ رؤوس أموالها.
إن القراءة المتأنية لمسار التشكيلة الوزارية التاسعة برئاسة مسرور بارزاني تكشف عن نموذج مغاير في إدارة الحكم بالشرق الأوسط، فلم تعد الحكومة تتعامل مع الأزمات كحجج لتبرير التراجع الخدمي، بل اتخذت من كل أزمة دافعاً لكسر النمطية القديمة. وتثبت تجربة الأعوام الماضية أن القوة السياسية للإقليم أمام بغداد والمجتمع الدولي نابعة من تنظيم بيته الداخلي، ورقمة مؤسساته، وإنهاء الفوضى المالية، وبناء اقتصاد متعدد الموارد يقلل الارتباط المباشر بأموال النفط المتذبذبة. ورغم أن ثمار التنويع الزراعي والمصرفي تحتاج إلى مدى زمني أطول لكي تظهر بالكامل، إلا أن حجر الأساس قد وُضع بشكل لا يمكن الرجوع عنه، ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على وتيرة الاستقرار السياسي الداخلي، وتوسيع رقعة المشاريع الريادية والمستدامة ليشمل كل شبر من الإقليم، وضمان تدفق الاستثمارات لتشغيل الطاقات الشبابية المحلية. لقد نجحت الكابينة التاسعة في تحويل إقليم كوردستان من منطقة جغرافية تقاوم للبقاء إلى بيئة مؤسساتية تخطط للاستدامة والتطور، مما يجعل من تجربتها الإدارية والسياسية مادة غنية للدراسة والتحليل في كيفية إدارة الكيانات الدستورية في بيئات جيوسياسية بالغة التعقيد.
وفي الختام، يمكن القول إن تجربة التشكيلة الوزارية التاسعة في إقليم كوردستان لم تكن مجرد مرحلة تدبير حكومي اعتيادي، بل مثّلت محاولة جادة لإعادة صياغة "العقد الإداري والاقتصادي" داخل الإقليم. إن النجاح الحقيقي لهذه الكابينة لا يُقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة على الأرض، وإنما في نجاحها بفرض "ثقافة المؤسسة" كبديل عن "العشوائية الريعية". لقد أثبتت الاستراتيجية التي اتبعها مسرور بارزاني أن تحصين الكيانات الدستورية في البيئات الجيوسياسية القلقة لا يتحقق بالانكفاء أو بالاعتماد على التحالفات السياسية المتغيرة، بل يبدأ من تصفير الأزمات الداخلية وبناء أرضية صلبة من الشمول المالي والأمن المائي والغذائي.
ورغم أن قطف الثمار الكاملة لهذا التحول الهيكلي، مثل رقمنة المعاملات عبر مشروع حسابي أو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة عبر مشروع روناكي، يتطلب مدى زمنياً أطول واستقراراً سياسياً مستداماً، إلا أن الأهمية الاستراتيجية لهذه الحقبة تكمن في أنها وضعت الإقليم على سكّة التخطيط بعيد المدى، وحولته من كيان يستنزفه رد الفعل إلى منظومة تمتلك زمام المبادرة وتصنع استقرارها الذاتي من الداخل.
وفيما يلي حصيلة استثنائية للمشاريع الخدمية والادارية والتنموية التي نفذتها التشكيلة الوزارية التاسعة برئاسة مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان:
أولاً: الأمن المائي.. ثورة في بناء السدود ومواجهة الجفاف
تصدر ملف المياه أولويات الحكومة لمواجهة التغير المناخي، حيث تمكن الإقليم من تعزيز قدراته التخزينية بشكل غير مسبوق:
السدود الاستراتيجية: تم تفعيل وتشييد 9 سدود كبرى بتكلفة 265.7 مليار دينار، وبطاقة تخزينية إجمالية تجاوزت 252 مليون متر مكعب، يبرز منها سدا "غومسبان" و"دوين" كأضخم المشاريع المائية.
البرك المائية: أُنجزت 30 بركة مائية جديدة مع استمرار العمل في 57 أخرى، لتعزيز مناسيب المياه الجوفية ودعم الزراعة.
مياه الشرب: تم تأمين نحو 1.2 مليون متر مكعب يومياً من المياه الصالحة للشرب عبر مشاريع عملاقة، أبرزها مشروع الطوارئ في أربيل ومستكمله في السليمانية بتكلفة إجمالية تجاوزت تريليون دينار.
ثانياً: السيادة الغذائية وتحويل الزراعة إلى قطاع استثماري
انتقلت السياسة الاقتصادية في القطاع الزراعي من الاستهلاك إلى التصدير:
التخزين الاستراتيجي: أُنشئت 4 صوامع (سايلوهات) كبرى بسعة 160 ألف طن، مع استمرار العمل في 5 محافظات وأقضية أخرى لضمان الأمن الغذائي.
الطفرة الاستثمارية: قفز معدل الاستثمار الزراعي من 1.8% في 2018 إلى 12% في 2025، مما أتاح للإقليم تصدير منتجاته المحلية (كالرمان والعسل) إلى الأسواق الخليجية والعالمية لأول مرة.
القاعدة الإنتاجية: احتضن الإقليم أكثر من 13 ألف شركة نشطة، مدعومة بآلاف البيوت البلاستيكية ومئات المصانع ومستودعات التبريد.
ثالثاً: نهضة الطرق والخدمات البلدية
لربط المدن وتنشيط الحركة التجارية، تم تنفيذ شبكة طرق وجسور واسعة:
الطرق الخارجية: أُنجز 810 مشاريع طرق بطول 3,055 كم، من أصل 1,271 مشروعاً بتكلفة إجمالية بلغت 5.3 تريليون دينار.
التطوير الحضري: ضخت الحكومة مبالغ ضخمة في البلديات والصرف الصحي ورصف الشوارع عبر أكثر من 8,000 مشروع خدمي، تجاوزت تكلفتها الإجمالية 8 تريليونات دينار.
رابعاً: التحول الرقمي وتجفيف منابع الهدر المالي
شكل الإصلاح الإداري والمالي العمود الفقري للتشكيلة التاسعة:
مشروع "حسابي": نجحت الحكومة في توطين رواتب أكثر من 950 ألف موظف ومستفيد مصرفياً، وتوزيع قرابة 900 ألف بطاقة صراف آلي، مما عزز الشفافية المالية.
الحكومة الإلكترونية: أُطلق 29 نظاماً رقمياً شملت الهوية الرقمية (KRDPass) وأنظمة الدفع الإلكتروني والأرشفة، مما قلص الروتين الإداري.
مكافحة الفساد: استردت الحكومة 2.13 تريليون دينار من القروض السابقة، وتم قطع آلاف الرواتب غير القانونية (المزدوجة) في إطار عملية تدقيق شاملة.
خامساً: الطاقة والكهرباء.. نحو التجهيز الكامل
شهد قطاع الكهرباء قفزة في الإنتاج والكفاءة:
الإنتاج: ارتفعت الطاقة الإنتاجية من 2,360 ميغاواط إلى 4,334 ميغاواط، مع الاعتماد على الغاز الطبيعي بنسبة 83%.
مشروع "روناكي": أحدث المشروع ثورة في نظام التوزيع بتوفير الكهرباء على مدار 24 ساعة لأكثر من 5.4 مليون مواطن، مما أدى للاستغناء عن 6,000 مولدة أهلية في المناطق المشمولة.
سادساً: التنمية البشرية والبيئية
الاستثمار: بلغت القيمة الإجمالية للمشاريع الاستثمارية المعتمدة 22.7 مليار دولار، تركزت في السياحة والسكن والخدمات.
التعليم والصحة: تم بناء وترميم آلاف المدارس، وإدخال 79 مستشفى جديداً للخدمة، مع تنظيم سوق الدواء عبر نظام "الضمان الدوائي".
التشغيل والحماية: تم توظيف وتثبيت أكثر من 46 ألف كادر تعليمي وصحي، وشمول نحو 20 ألف مستفيد جديد برواتب الرعاية الاجتماعية.
البيئة: ارتفعت نسبة المساحات الخضراء إلى 20%، مع إطلاق مشروع "الحزام الأخضر" في أربيل لمكافحة التصحر.
تؤكد هذه الأرقام أن إقليم كوردستان، عبر "التشكيلة التاسعة"، لم يكتفِ بإدارة الأزمات، بل وضع أسساً متينة لقيادة مؤسساتية تعتمد على الرقمنة، وتنوع مصادر الدخل، وتضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.