هندسة الشرق الأوسط الجديد.. حينما يصبح الجدار الكوردي ورقة واشنطن الأخيرة

هندسة الشرق الأوسط الجديد.. حينما يصبح الجدار الكوردي ورقة واشنطن الأخيرة
هندسة الشرق الأوسط الجديد.. حينما يصبح الجدار الكوردي ورقة واشنطن الأخيرة

تتصدر المنصات البحثية ومراكز الدراسات الاستراتيجية الإقليمية والدولية قراءات استشرافية مكثفة حول ملامح شرق أوسط جديد يعاد رسم خطوط التماس فيه، وفي قلب هذه القراءات تبرز فرضية تلمح إلى مساعٍ أمريكية لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر مراهنة استراتيجية على المكون الكوردي الممتد بين العراق وسوريا بهدف خلق حزام عازل يقطع الرواق البري الحيوي لإيران والذي يربط طهران ببغداد ودمشق وصولاً إلى البحر المتوسط. هذا الطرح الذي يتردد صداه في كواليس صناعة القرار الدولي يفرض تفكيكاً بنيوياً هادئاً وصريحاً لأركانه ليس من باب الهجوم السياسي بل لقراءة مآلاته وسيناريوهاته على أرض الواقع ومعرفة أين تقف القوى الإقليمية والمحلية من هذه المعادلة شديدة التعقيد.

تقاطع المصالح وحقول الألغام

عند تفكيك هذا السيناريو الدولي نجد أننا أمام معادلة رباعية الأبعاد تتحرك فيها القوى على النحو التالي:

المقاربة الأمريكية، هندسة الطوق.. لا يقتصر التحرك الأمريكي اليوم على التواجد العسكري، بل انتقل إلى مأسسة هذا الحضور عبر مشاريع طاقة استراتيجية، حيث تُشير المعطيات إلى تحركات أمريكية جادة لإحياء خطوط أنابيب النفط (مثل خط كركوك-بانياس) عبر كونسورتيوم يضم شركات أمريكية كبرى على غرار شيفرون وكابيتال تي آي وشريكاً قطرياً، الهدف هنا هو تحويل الجغرافيا الكوردية إلى شريان طاقة بديل يتجاوز مضيق هرمز مما يجعل من المكون الكوردي جزءاً من استراتيجية الطوق ضد النفوذ الإيراني.

الموقف الإيراني، معركة الممر الحيوي.. بالنسبة لطهران، فإن أي محاولة لربط أو تنسيق كوردي بري تحت رعاية أمريكية،تدعمها مشاريع طاقة عابرة للحدود تمثل خطراً أحمر يهدد عمقها الاستراتيجي في سوريا ولبنان، لذا، تتحرك الأدوات الدبلوماسية والفصائل الحليفة لمنع أي تقارب أو استقرار في هذه النقاط الحدودية الحساسة.

المعادلة التركية، العقدة الأمنية.. تقف أنقرة كمناهض شرس لأي مشروع يُعزز من نفوذ القوى الكوردية في سوريا وتراه تهديداً مباشراً لأمنها القومي، هذا الموقف التركي يخلق فجوة عميقة بين أنقرة وحليفتها في الناتو واشنطن ويجعل من أي حزام كوردي مشروعاً محاطاً بالرفض العسكري التركي.

كورد سوريا في عين العاصفة.. ما الذي ينتظرهم؟

عند الانتقال إلى الركن السوري من المعادلة نجد أن كورد سوريا الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية قسد يتواجدون اليوم في المساحة الأكثر خطورة وعرضة للتقلبات، إن المراهنة الأمريكية عليهم كقوة مسيطرة على الأرض لحصار النفوذ الإيراني في دير الزور وشرق الفرات تضعهم أمام حزمة من التحديات المصيرية:

خطر الاستنزاف والمواجهة المباشرة.. إن تحويل مناطق شرق الفرات إلى مصد ضد طهران يضع كورد سوريا في مواجهة عسكرية مستمرة ومباشرة مع الفصائل الموالية لإيران وهو استنزاف عسكري وبشري هائل للاستقرار الهش في مناطقهم.

الفيتو التركي والتهديد الوجودي.. تعيش مناطق شمال شرق سوريا تحت رحمة التهديد العسكري التركي الدائم الذي قد يتصاعد إذا ما تحولت هذه المناطق إلى جزء من مشاريع الطاقة العابرة للحدود.

هاجس الخذلان السياسي الدولي.. تدرك الأوساط السياسية في القامشلي والحسكة أن الدعم الأمريكي الحالي رغم أنه بات مدعوماً بوعود استثمارية في الطاقة يفتقر حتى الآن إلى اعتراف سياسي دولي شرعي ومستدام مما يجعل كورد سوريا يخشون من سيناريو المساومة الكبرى.

البُعد العربي والعراقي.. بين السيادة والواقعية

من زاوية أخرى لا تقل أهمية، يبرز بُعد جوهري وحاسم في التحليل فالمخطط الأمريكي لا يقطع فقط طريق إيران بل إنه يقع فوق أراضٍ عراقية وسورية رسمية، في هذا السياق تبرز قيمة الحراك الفني والقانوني العراقي الأخير، حيث تم تفويض جهات فنية لدراسة مذكرات تفاهم حول مشاريع أنابيب الطاقة، هذا التحرك وإن اتخذ طابعاً تقنياً لتجنب التصادم السياسي يعكس محاولة بغداد لتبني سياسة مرونة التصدير وتعدد المسارات مما يضعها أمام ضرورة موازنة علاقاتها بين واشنطن وطهران.

وهنا تبرز قيمة دور أربيل كـ جسر حوار عقلاني يؤكد بالدليل الملموس أن إقليم كوردستان يرى أمنه من أمن العاصمة الاتحادية وأنه جزء أصيل من تثبيت سيادة الدولة العراقية وليس أداة تفتيت.

إقليم كوردستان.. الرقم الصعب والدبلوماسية الحذرة

في وسط هذا التجاذب العنيف يبرز ثقل إقليم كوردستان ككيان دستوري وقانوني راسخ يتمتع بذكاء سياسي تراكمي، إن أربيل لا تتحرك كـ ورقة في المخططات الغربية بل كلاعب إقليمي يبحث عن استقراره الدستوري،  تنتهج أربيل سياسة التوازن الحذر، فهي تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن وتدعم حقوق المكون الكوردي لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بتحويل أراضيها إلى منصة لاستهداف الجوار بل تسعى لتصفير الأزمات والحفاظ على خطوط التجارة والطاقة الحيوية.

السيناريوهات المستقبلية.. مراهنة أم مساومة؟

بناءً على هذا التفكيك يتأرجح مستند "الشرق الأوسط الجديد" بين سيناريوهين:

سيناريو الصدام وتغيير القواعد.. أن تمضي واشنطن في فرض هذا الحزام ميدانياً عبر تعزيز القواعد العسكرية ومشاريع الطاقة مما قد يدفع نحو مواجهة مسلحة غير مباشرة بين الفصائل الموالية لإيران وبين القوى المدعومة أمريكياً.

سيناريو المساومة الكبرى.. وهو السيناريو الأكثر واقعية حيث تستخدم واشنطن هذا اللوح الكوردي، مشاريع الطاقة والنفوذ الميداني كأداة ضغط قصوى على طاولة المفاوضات مع طهران، وعند الوصول إلى تفاهمات كبرى قد تعود التوازنات إلى طبيعتها مع الحفاظ على الخصوصيات القائمة.

حتمية الجغرافيا.. وقرار التاريخ،

إن الشرق الأوسط الجديد ليس مجرد خرائط، بل اختبارٌ وجوديٌ لثبات الشعوب،إن رسالتنا للعواصم الإقليمية والدولية المعنية بهذا التحول حاسمة: إن تحويل المكون الكوردي إلى جدار أو أداة ضغط هو مقامرةٌ بمصير المنطقة، إن الأمن لا يُبنى بتفتيت الكيانات بل باحترام العقل الاستراتيجي الذي يمثله إقليم كوردستان كصمام أمانٍ ضد الفوضى.
أما لشارعنا الكوردي في كل مكان: إن مكتسباتنا لا تُحمى بالوعود العابرة ولا بصراعات الوكالة بل بالتمسك بالهوية الدستورية والعقلانية التي أثبتتها أربيل، فأي اندفاعٍ خارج هذا الإطار سيجعلنا وقوداً لنيرانٍ لا ترحم.
إننا اليوم لا نحتاج جدرانًا عسكرية تقطع الطرق بل جداراً من الوعي يرفض استغلالنا كأدوات في صراعات الكبار، سيذكر التاريخ أن الكورد كانوا حراس الاستقرار في منطقةٍ قررت الانتحا،  فليكن قرارنا هو البناء والسيادة لا أن نكون حطباً في شرق أوسطٍ يولد من جديد..