إقليم كوردستان : نهج الإصلاح بين الرؤية والإنجاز

إقليم كوردستان : نهج الإصلاح بين الرؤية والإنجاز
إقليم كوردستان : نهج الإصلاح بين الرؤية والإنجاز

مع اقتراب تشكيل الكابينة الحكومية العاشرة في إقليم كوردستان، يتجدد النقاش حول تجربة حكومة مسرور بارزاني، ليس فقط من زاوية ما أنجزته خلال السنوات الماضية، بل أيضًا من زاوية طبيعة المشروع الذي سعت إلى ترسيخه. فالحكومات لا تُقاس بعدد المشاريع التي تنفذها فحسب، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، ووضع أسس إصلاح تبقى فاعلة بعد انتهاء عمرها السياسي.

تولت الحكومة مسؤولياتها عام 2019 في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا التي مر بها الإقليم. فقد سبقتها الأزمة المالية التي بدأت عام 2014، واستمرت الخلافات مع بغداد بشأن الموازنة والنفط والغاز، ثم جاءت جائحة كورونا، وإغلاق خط تصدير نفط الإقليم، والتقلبات الاقتصادية الإقليمية والدولية، لتجعل مهمة إدارة الإقليم أكثر صعوبة من أي وقت مضى. وفي مثل هذه الظروف، لم يكن التحدي مجرد إدارة الأزمات، بل الحفاظ على استقرار المؤسسات واستمرار عملية التنمية.

اختارت حكومة مسرور بارزاني أن تجعل الإصلاح الإداري والمالي محورًا رئيسًا لبرنامجها، انطلاقًا من رؤية تقوم على أن معالجة الأزمات تبدأ ببناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية. ولهذا ركزت على الحوكمة، والتحول الرقمي، وتنظيم الإيرادات، وتطوير الإدارة العامة، وإصلاح النظام المالي، فيما شكّل مشروع "حسابي" أحد أبرز عناوين هذا التحول نحو إدارة مالية أكثر تنظيمًا وشفافية، وشكّل بتطبيقه ضربة حقيقية للفساد على مستوى العراق وإقليم كوردستان.

لكن التجارب الإصلاحية الكبرى لا تمر عادةً دون مقاومة من الداخل قبل الخارج. فكلما اتسعت الإصلاحات التي تمس الإدارة العامة والموارد المالية، برزت مصالح متضررة، واشتد الجدل السياسي والإعلامي حولها. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جانب من السجال الذي رافق تجربة حكومة مسرور بارزاني في سياق التحولات التي شهدتها بنية الإدارة، إلى جانب الانتقادات السياسية المشروعة متى ما أصابت التشخيص، أو المواقف التي رأت في مشاريع الإصلاح التي تبناها مجلس وزراء حكومة الإقليم التاسع مساسًا بمصالحها أو تقويضًا لما كرسته تلك الإصلاحات من تغييرات وإنجازات..

كما  لم يكن هذا الجدل منفصلًا عن طبيعة البيئة الأمنية التي عملت فيها الحكومة. فمنذ عام 2019 تعرض إقليم كوردستان لسلسلة من الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية، وفي مقدمتها حقل كورمور للغاز، إضافة إلى هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة طالت مناطق مختلفة من الإقليم. كما شهدت أربيل حوادث أمنية بارزة، من بينها استهداف منزل رجل الأعمال الشهيد بيشوا دزيي ، واستهداف منزل رجل الأعمال الشيخ باز، فضلًا عن الحرائق التي طالت سوق القيصرية التاريخي. وقد أثارت هذه الأحداث مخاوف بشأن البيئة الاستثمارية والاستقرار الاقتصادي وكانت رسالة واضحة وصريحة لتهديد بيئة الاستثمار لإيقافه أو تحجيمه ، بينما رأت حكومة الإقليم أن استمرار هذه التحديات فرض عليها العمل، بالتوازي، على حماية الاستقرار ومواصلة تنفيذ برامجها الإصلاحية، بينما بقيت دوافع بعض تلك الحوادث محل تحقيق أو جدل سياسي وإعلامي.

وبالتوازي مع هذه التحديات، استمرت الخلافات المالية بين أربيل وبغداد، التي تعود جذورها إلى عام 2014، وما سبقها بأعوام من تعطيل بنود دستورية، من بينها قانون النفط والغاز، ورواتب قوات البيشمركة، والمادة (140) من الدستور، فضلًا عن الخلافات المتعلقة بحصة الإقليم من الموازنة العامة، وإدارة الإيرادات، وآليات تمويل الإقليم، ورواتب موظفيه. 

وترى حكومة إقليم كوردستان أن استخدام ملف الرواتب والتمويل في هذا السياق كان قد شكل ضغطًا اقتصاديًا كبيرًا على الإقليم، لا سيما بعد نتائج التعداد السكاني الأخيرة، التي أظهرت ارتفاع نسبة سكان الإقليم إلى نحو 14.1% من إجمالي سكان العراق، مقارنة بالنسبة التي كانت تُستخدم سابقًا في احتساب حصة الإقليم من الموازنة، الأمر الذي فتح النقاش حول آليات توزيع الموارد المالية بين بغداد وأربيل بصورة عادلة ، بما ينسجم مع المتغيرات الديموغرافية والدستورية.

وعلى المستوى الداخلي، أصبحت تجربة الحكومة جزءًا من المنافسة السياسية بين القوى الكوردستانية، حيث خضعت معظم قراراتها ومشاريعها لقراءات متباينة تبعًا للمواقف الحزبية. ومع اتساع تأثير الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولت العديد من القضايا إلى ساحات للاستقطاب، بما في ذلك  الملفات المتعلقة  بالمكونات الدينية  كأوراق ضغط على حكومة إقليم كوردستان، وهو ما جعل التمييز بين النقد الموضوعي، والخطاب السياسي، وحملات التأثير الإعلامي، أمرًا ضروريًا عند تقييم التجربة.

ورغم هذه الضغوط المتراكمة، واصلت الحكومة تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية، ومن بينها مشروع روناكي للكهرباء، الذي مثّل طفرة نوعية على مستوى العراق والإقليم، ومشروع حسابي، ومشروع مياه طوارئ أربيل، الذي أنهى الاعتماد السابق على الآبار الكلسية، إضافة إلى مشاريع الطرق والجسور والسدود المائية التي أنعشت الزراعة والسياحة والثروة السمكية، وأنهت ملف الفيضانات الذي كان يهدد مدن الإقليم، فضلًا عن تطوير المناطق الصناعية، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع مشاريع الإسكان والخدمات، وتخصيص آلاف الأراضي للموظفين والمواطنين من ذوي الدخل المحدود، ومئات المشاريع الأخرى التي عُنيت باحترام الأديان من خلال افتتاح العديد من الكنائس والمساجد ودور العبادة وتطويرها. ولم يكن الهدف من هذه المشاريع معالجة احتياجات آنية فحسب، بل بناء قاعدة مؤسسية وتنموية يمكن أن تستند إليها الحكومات اللاحقة.

ولعل المفارقة أن الحكومات التي تكتفي بإدارة الواقع لا تثير عادةً كل هذا الجدل، بينما تصبح الحكومات التي تحاول تغيير قواعد الإدارة والاقتصاد أكثر عرضة للنقد والمواجهة، لأن أي إصلاح حقيقي لا يغيّر أداء المؤسسات فحسب، بل يعيد أيضًا رسم خريطة المصالح السياسية والاقتصادية. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حجم السجال والتحديات التي رافقت تجربة حكومة مسرور بارزاني، والأعباء التي واجهتها.

وأخيرًا، يبقى الحكم على أي تجربة حكومية مسؤولية المواطنين، كما يبقى التاريخ المعيار الأوسع لتقييم أثر السياسات والقيادات. غير أن قراءة تجربة مسرور بارزاني، تحديدًا، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي، تشير إلى أنها مثلت محاولة للانتقال بإقليم كوردستان من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن الإدارة التقليدية إلى الحوكمة والشفافية، ومن الحلول المؤقتة إلى المشاريع الاستراتيجية. وقد يختلف المراقبون في تقييم نتائج هذا المسار، بحسب دوافع عديدة لا يسعني الوقت لذكرها، تاركًا التقدير للقارئ، لكن تأثير هذه التجربة في إعادة تشكيل النقاش حول الإصلاح، ودور الحكومة، ومستقبل التنمية في إقليم كوردستان، سيظل حاضرًا بوصفه أحد أبرز ملامح هذه المرحلة، على الرغم من التحديات التي واجهتها الحكومة بالاصلاحات والإنجازات.