تحلافى… القرية التي هزمت فيها الإنسانية البنادق
تبدأ هذه الحكاية من قرية تحلافى الهادئة، التي لم يبقَ منها اليوم سوى أطلالٍ صامتة بعد أن دُمِّرت خلال حملة الأنفال عام 1988، لكن ذكرياتها ما زالت تنبض في وجداني. تعود بي الذاكرة إلى صيف عام 1983، حين كنت في الصف السادس الابتدائي أقضي أسبوعًا من العطلة عند أعمامي في موسم الحصاد. كان والدي وأعمامي يعملون في الزراعة ويبنون السدود الترابية الصغيرة لخزن مياه للصيف، وكنا نشاركهم بما يناسب أعمارنا، ثم نهرع إلى شجرتي بلوط كبيرتين لنتسابق على تعليق أرجوحتنا بين أغصانهما. ولأننا كنا ضيوفًا من دهوك، كان يتركون لنا الشجرة الأنسب. وعلى التلة المقابلة كانت تنتشر بيوت القرية الخمسة عشر، يتوسطها بيت عمي "حجي حامد" المعروف بكرمه و نبيله، بينما تعلو التلة الأخرى نقطة عسكرية للجيش العراقي. هناك، في تلك المسافة القصيرة بين الأرجوحة والبندقية، بدأت أولى دروسي في معنى الإنسانية.
كانت النقطة العسكرية قريبة من مكان لعبنا حتى إن أصوات راديو بغداد كانت تصل إلينا كل صباح، وهم يستمعون إلى برنامج «نادي الإذاعة». وكنا نردد أغنية نادية مصطفى: «سلامات… سلامات… سلامات يا حبيب بلديات» ونحن نتأرجح بين أغصان البلوطي، في تلك الحظة مرّ بنا الجندي "رمضان" وهو يحمل الماء من النبع، فتوقف مبتسمًا وسألنا إن كنا نعرف العربية. أجبناه بأننا من دهوك، فجلس يحدثنا عن عائلته وحنينه إلى مدينته. وكان إلى جانبه الجنود عبد الله وحسين وإبراهيم القادم من سامراء، الذي فرح حين أخبرته أنني زرت مدينته وشاهدت مئذنة الملوية. في تلك اللحظة تلاشت الفوارق: لم نعد نرى جنودًا وأطفالًا أو عربًا وكوردًا، بل بشرًا جمعتهم لغة الألفة و أخوة.
كانت الإنسانية في تحلافى تُعاش يوميًا. في الصباح كانت زوجة عمي "دَرّة" تخبز خبز التنور وتعد اللبن والزبدة، ثم نأخذ الطعام إلى الجنود. ومع المساء كان مقاتلو البيشمركة يدخلون القرية، وكان الجنود يعلمون بوجودهم دون أن يبلغوا عنهم، لأنهم يدركون أن هذه الحرب لم تكن خيارهم. وفي حوش بيت عمي كان الجميع يجلسون ويتبادلون الحديث في شؤون الحياة والوطن، بعض البيشمركة كانوا من حملة الشهادات ويتحدثون العربية بطلاقة، فيتحاورون مع الجنود باحترام، وكأن الجميع اتفق بصمت على أن الإنسان أهم من الحرب. ولم يكن أحد يؤذي الآخر، بل كان الاحترام هو اللغة المشتركة. وأتذكر أيضًا أن والدي كان يجلب أكياس الصمون من دهوك، لعدم وجود مخابز للصمون في القرى آنذاك، ويوزعها على أهل القرية والجنود والبيشمركة معًا. لقد كان رغيف الخبز يومها أبلغ من كثير من الخطب، فهو لا يسأل عن القومية أو الانتماء، بل يذكّر الجميع بأنهم بشر يتقاسمون الجوع والأمل والمصير.
اليوم لم يبقَ من تحلافى سوى أطلال، لكن ما بقي في ذاكرتي أعظم من كل ما هدمته الحرب. فقد علمتني هذه القرية أن البنادق قد تُفرض، أما الأخوّة فتنبت من الفطرة. هناك رأيت جنودًا ومقاتلي بيشمركة يتقاسمون الخبز والكلمة الطيبة، فعرفت أن الإنسان قادر على الانتصار على الكراهية متى انتصر لضميره. وما أحوج العراق وإقليم كوردستان اليوم إلى استعادة تلك الروح، روح الإنسان الذي يرى في الآخر أخًا قبل أي انتماء. فالأوطان لا تُبنى بالرصاص، بل بالقلوب التي ترفض أن تفقد إنسانيتها. لقد سقطت تحلافى تحت وطأة الحرب، لكن إنسانيتها بقيت، شاهدة على أن الرحمة قادرة في النهاية على أن تنتصر على البنادق.