د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
دور دائرة العلاقات الخارجية في تعزيز الحضور الدولي لإقليم كوردستان
شهدت المنظومة الدولية المعاصرة تحولاً بنيوياً تمثل في تراجع الاحتكار المطلق للدول المركزية لصياغة وتنفيذ السياسة الخارجية، مما أفسح المجال لبروز فواعل جديدة من غير الدول تُعرف في الأدبيات السياسية بالحكومات دون الوطنية.
وفي هذا السياق، تبلور مفهوم الدبلوماسية الموازية ليعبر عن الأنشطة والمبادرات الخارجية التنسيقية التي تقوم بها الأقاليم الفدرالية والمناطق ذات الحكم الذاتي لبناء علاقات دولية تلبي احتياجاتها التنموية والأمنية والثقافية، بما يخدم المصالح الوطنية العامة للدولة الاتحادية. وفي حالة إقليم كوردستان، يبرز هذا النشاط الخارجي ضمن أطر تكاملية تتطلب التوازن الدقيق بين الالتزام التام بالواقع الدستوري العراقي كإقليم فدرالي أصيل، وبين تلبية احتياجاته وتطلعاته التنموية والاقتصادية في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، اعتلاءً للآليات المؤسساتية والقيادية التي ينتهجها الإقليم لترسيخ التعاون الدولي وصياغة شبكة شراكات عابرة للحدود ترفد الاستقرار الوطني والإقليمي.
ولفهم هذا السلوك الخارجي المنسجم مع الأطر الاتحادية، يستند الإطار المفاهيمي إلى أدبيات الدبلوماسية الموازية كما نظر لها مفكرون بارزون من أمثال إيفو دوتشيك و مايكل كيتينغ ، اللذين يسلطان الضوء على كيفية نجاح الأقاليم الفدرالية في تطوير نشاط خارجي فعال وديناميكي لدعم التنمية المحلية دون التعارض مع السيادة القانونية السامية والمجال السيادي الموحد للدولة الاتحادية.
وفي الحالة العراقية، يجد هذا النشاط غطاءه القانوني والشرعي في المادتين (117) و(121) من دستور جمهورية العراق لعام 2005؛ حيث تقر المادة (117) بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة ككيان فدرالي أقرّه الدستور الموحد، بينما توفر المادة (121) - وتحديداً البند الخامس منها - سنداً دستورياً لحكومة الإقليم لإقامة ممثليات ثقافية وتجارية وإدارية في السفارات والبعثات الدبلوماسية العراقية في الخارج لمتابعة الشؤون الخاصة بالإقليم، مما يتكامل مع المهام السيادية للدبلوماسية الاتحادية.
وفي هذا السياق، تتجلى المحورية المؤسساتية لـ دائرة العلاقات الخارجية (DFR) التابعة لرئاسة مجلس الوزراء، والتي أنشئت عام 2006 بموجب قرار حكومي لتشكل الإطار التنفيذي المسؤول عن قيادة وتنسيق الحراك الخارجي للإقليم، بالتعاون والانسجام الوثيقين مع المؤسسات الدبلوماسية الاتحادية.
وقد أسهمت الدائرة في تعزيز "الدبلوماسية العكسية" من خلال دعم تحول العاصمة أربيل إلى مركز جذب وتواصل إقليمي ودولي عبر استضافة القنصليات العامة والبعثات الرسمية للدول الشقيقة والصديقة (مثل الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، الصين، اليابان، المملكة العربية السعودية، تركيا، وإيران)، والتي تعمل وفق الأطر والأعراف الدبلوماسية المعتمدة في العراق.
وبالتوازي مع ذلك، تشرف الدائرة على إدارة الممثليات الرسمية للإقليم في الخارج لتعزيز التبادل الثقافي والتجاري، وجذب الاستثمارات الأجنبية التي تدعم الاقتصاد الوطني العراقي ككل.
وقد شهد هذا المسار المؤسساتي حراكاً بناءً ورؤية متكاملة برعاية قيادة الإقليم الممثلة بـ فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني ورئيس الحكومة السيد مسرور بارزاني، ولا سيما خلال عمل الكابينة الوزارية التاسعة لحكومة إقليم كوردستان.
فقد حرص الرئيس نيجيرفان بارزاني في نشاطه الرئاسي ودبلوماسيته رفيعة المستوى على ترسيخ الحوار وبناء الجسور، ليس فقط على الصعيد الخارجي من خلال مشاركاته في المحافل الدولية كمؤتمر ميونخ للأمن ولقاءاته مع قادة العالم والمنطقة، بل وأيضاً من خلال تعزيز التنسيق المستمر مع القيادات السياسية والاتحادية في بغداد لتأكيد وحدة الموقف العراقي وترسيخ الاستقرار الإقليمي.
ومن جانبه، ركز رئيس الحكومة مسرور بارزاني ورؤية الكابينة التاسعة على "الدبلوماسية التنموية والاقتصادية"، حيث سعى إلى تسخير العلاقات الخارجية لخدمة برامج الإصلاح الاقتصادي الشامل، وتنويع مصادر الدخل، وترسيخ التحول الرقمي، وجذب الاستثمارات في مجالات البنية التحتية والأمن الغذائي والطاقة.
كما تجسد هذا الدور في تعزيز الشراكات بين الأجهزة المعنية والتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب ودعم السلم الاجتماعي وحماية المكونات والنازحين، مما جعل الإقليم نقطة قوة داعمة لاستقرار العراق ومحط إشادة من المؤسسات الدولية.
وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، يتسم النشاط التنسيقي للإقليم ببعدين متكاملين، ففي المحيط الإقليمي المباشر (مثل العلاقات مع تركيا، إيران، ودول الخليج العربي)، يتبع الإقليم دبلوماسية قائمة على حسن الجوار والتوازن وإدارة المصالح المشتركة والتبادل التجاري بما يعود بالنفع على المنطقة بأسرها.
أما على المستوى الدولي، فقد أقام الإقليم شراكات نموذجية مع القوى الكبرى والمنظمات الدولية في مجالات الإغاثة الإنسانية، والتنمية المستدامة، ومكافحة التطرف، مما يعزز صورة العراق كشريك فعال في تحقيق الأمن الدولي.
ولإغناء هذا التحليل السياسي الدبلوماسي، يمكن استعراض النماذج الفدرالية المقارنة التي نجحت في تنظيم ممارسة الدبلوماسية الموازية في إطار الدولة الواحدة.
يبرز النموذج الأول في إقليم كيبك الكندي من خلال عقيدة جيران-لايوا، (Gérin-Lajoie Doctrine)، والتي تؤكد على امتداد الاختصاصات الداخلية للإقليم إلى المجال الخارجي في القضايا غير السيادية كالثقافة والتجارة عبر وزارة العلاقات الدولية (MRIF)، وهو نموذج يوضح أهمية التكامل بين التنمية المحلية والتمثيل الخارجي.
ويقدم النموذج الثاني في إقليم كتالونيا الإسباني مثالاً على استخدام الدبلوماسية الثقافية العامة وجذب الاستثمارات الخارجية، مع إبراز أهمية أطر التنسيق القانوني المستمر مع الحكومة المركزية لتجنب أي تباين في التفسيرات الدستورية.
أما النموذج الثالث فيستعرض تجربة أقاليم بلجيكا (الفلاندرز وفالونيا)، حيث يمنح الدستور البلجيكي الأقاليم صلاحيات واسعة لإبرام اتفاقيات في مجالات اختصاصها، مما يمثل نموذجاً فدرالياً متقدماً في التوزيع المرن للصلاحيات.
ختاماً، إن ممارسة إقليم كوردستان للدبلوماسية الموازية تشكل رافداً استراتيجياً يُثري الدبلوماسية العراقية الاتحادية ويعزز مكانة الدولة في المجتمع الدولي. وقد أثبتت دائرة العلاقات الخارجية قدرتها على أداء دور تنفيذي احترافي يرتقي لآفاق التعاون الدولي والتنمية، مستنيرة بالتوجيهات والحكمة القيادية والمرجعية للرئيس مسعود بارزاني، ومسترشدة بالدبلوماسية الفذة والحس التوافي لرئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، ومستندة إلى الرؤية الاستراتيجية والنهج الإصلاحي لرئيس الحكومة مسرور بارزاني خلال الكابينة الوزارية التاسعة.
ومن أفق الرؤية الدبلوماسية المستقبلية، تبرز أهمية تعزيز قنوات التنسيق والعمل المشترك بين دائرة العلاقات الخارجية للإقليم ووزارة الخارجية الاتحادية، وتطوير أطر تنظيمية ومأسسية متفق عليها تستند إلى المبادئ الدستورية، بما يضمن تعظيم المصالح الوطنية العليا، ويمنح الإقليم المرونة الكافية لتحقيق أهدافه التنموية تحت مظلة العراق الفدرالي الموحد.