مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
العراق وإقليم كوردستان... الدستور في مواجهة الأرقام
لا تُقاس قوة الدول الاتحادية بعدد المناصب التي يتقاسمها شركاؤها، ولا بالشعارات التي تُرفع في المناسبات السياسية، وإنما بمدى احترام الدستور، وعدالة توزيع الثروة، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. فالأرقام لا تجامل، والدستور لا يفرق بين إقليم ومحافظة، والاقتصاد لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للضغط السياسي.
بعد أكثر من عقدين على التغيير في العراق، ما يزال السؤال مطروحًا بإلحاح: هل أُنصف إقليم كوردستان اقتصاديًا وماليًا بوصفه إقليمًا اعترف به الدستور، أم أن الشراكة بقيت حبرًا على ورق كلما اصطدمت بالخلافات السياسية؟
منذ عام 2014 دخلت العلاقة المالية بين بغداد وأربيل مرحلة من الأزمات المتلاحقة، بعد توقف إرسال مستحقات الإقليم المالية بصورة منتظمة، لتتحول رواتب الموظفين والخدمات العامة إلى رهينة للخلافات السياسية. ومنذ ذلك الوقت، لم تفلح الاتفاقات المؤقتة في بناء علاقة مالية مستقرة، رغم أن دستور عام 2005 رسم إطارًا واضحًا للعلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، وأكد في المادتين (117) و(121) الاعتراف بإقليم كوردستان وصلاحياته، فيما نصت المادة (112) على إدارة النفط والغاز بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي كله.
وخلال السنوات الأخيرة ومنذ عام ٢٠١٩ تحديدا ، أعلنت حكومة إقليم كوردستان اتخاذ سلسلة من الإجراءات لتبديد المخاوف المتعلقة بالشفافية المالية، من بينها تسليم الإيرادات غير النفطية وفق الاتفاقات المبرمة مع بغداد، وتوحيد التعرفة الجمركية، وإطلاق مشروع "حسابي" لتوطين رواتب الموظفين إلكترونيًا، وهو مشروع يمثل أحد أكبر برامج الإصلاح المالي في الإقليم، ويهدف إلى إنهاء التعامل النقدي وتعزيز الرقابة والشفافية.
ورغم هذه الخطوات، بقيت الأزمة على حالها، بل ازدادت تعقيدًا، وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كانت بغداد تشترط الشفافية، والإقليم يؤكد أنه نفذ ما طُلب منه، فلماذا لم تُحل الأزمة حتى اليوم؟
ولا يقف الأمر عند الموازنة، بل يمتد إلى ملف الوقود، الذي يكشف بدوره عن تفاوت في آليات التعامل.
فالحكومة الاتحادية تخصص لإقليم كوردستان خمسين ألف برميل من النفط الخام يوميًا لتغطية احتياجاته المحلية من المشتقات النفطية، في حين أظهرت نتائج التعداد العام للسكان أن سكان الإقليم يمثلون نحو 14.1% من مجموع سكان العراق. ولو أُعيد احتساب حصة الإقليم وفق هذه النتائج، مع الأخذ في الاعتبار مئات الآلاف من النازحين واللاجئين والمقيمين، لبرزت فجوة أكبر بين الاحتياجات الفعلية والكميات المخصصة.
وفي المقابل، أعلن وزير النفط العراقي أن إنتاج العراق من البنزين يبلغ نحو ثلاثين مليون لتر يوميًا، تُوزع عبر منظومة حكومية متكاملة تمتلكها وزارة النفط، تشمل استخراج النفط الخام، ونقله، وتكريره، وخزنه، وتوزيعه، وجميعها ممولة من الموازنة الاتحادية.
أما في إقليم كوردستان، فالوضع مختلف تمامًا.
فالإقليم لم يرث بعد عام 2003 قطاعًا نفطيًا حكوميًا متكاملًا كما هو موجود في بقية المحافظات العراقية. فالنظام السابق لم يسمح ببناء مصافٍ حكومية، ولا مستودعات استراتيجية، ولا شبكات متطورة لنقل وخزن المشتقات النفطية، الأمر الذي اضطر الإقليم إلى بناء هذا القطاع بالكامل عبر الاستثمار الخاص، وليس عبر التمويل الحكومي الاتحادي.
وبينما تعتمد المصافي الحكومية في بقية العراق على النفط الخام المدعوم وتمويل الدولة، تتحمل المصافي الاستثمارية في الإقليم كلف الإنشاء والتشغيل والإنتاج. كما تتعاقد الحكومة الاتحادية مع عدد من المصافي الاستثمارية لتكرير النفط وإنتاج البنزين والكاز ووقود الطائرات، ثم توزع هذه المنتجات على محافظات عراقية عدة، في حين لا تدخل تلك الكميات ضمن حصة إقليم كوردستان.
وتؤكد الجهات المختصة في الإقليم أن السوق المحلية تعاني عجزًا يُقدر بنحو ستة ملايين لتر من البنزين يوميًا، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على السوق المحلية ويزيد من الأعباء الاقتصادية.
غير أن التحدي الأكبر بدأ مع توقف تصدير نفط إقليم كوردستان منذ آذار/مارس 2023.
فهذا التوقف لم يكن خسارة للإقليم وحده، بل للعراق بأكمله. وتشير التقديرات الحكومية والاقتصادية إلى أن الخسائر التراكمية الناتجة عن توقف الصادرات قاربت 25 مليار دولار، وهي أموال كان يمكن أن تدخل الخزينة العراقية، وتُسهم في تمويل الموازنة، وتقليص العجز، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، وتحسين الخدمات في جميع المحافظات.
خسارة خمسة وعشرين مليار دولار ليست رقمًا عابرًا في بلد يعتمد اقتصاده بصورة رئيسة على النفط، بل تمثل نزيفًا اقتصاديًا كان يمكن أن يغيّر ملامح التنمية في العراق. فهذه الأموال كانت كفيلة بإنشاء آلاف المدارس، ومئات المستشفيات، وشبكات طرق وجسور، ومشاريع للكهرباء والمياه، فضلًا عن توفير مئات الآلاف من فرص العمل. لكن استمرار الخلافات السياسية جعل العراق يخسر موردًا استراتيجيًا، بينما خسر الإقليم مصدر دخله الرئيس، لتكون النتيجة أن الجميع خرج خاسرًا.
وتزداد أهمية هذه الخسائر إذا وُضعت في سياق ما يشهده القطاع النفطي العراقي اليوم من حملة واسعة لمكافحة الفساد. فقد كشفت التحقيقات الجارية عن شبكات متهمة بالتلاعب في عقود المصافي والمنتجات النفطية، وأفضت إلى اعتقال مسؤولين كبار، وضبط عشرات ملايين الدولارات، وعشرات المليارات من الدنانير العراقية، إلى جانب سبائك ذهبية وعقارات وأصول مالية. وتعكس هذه الوقائع حجم التحديات التي تواجه إدارة أهم مورد اقتصادي في البلاد، وهو المورد الذي يمثل أكثر من 90% من الإيرادات العامة للدولة.
وتؤكد هذه التطورات أن حماية الثروة النفطية لا تقتصر على ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، بل تشمل أيضًا منع استمرار الخسائر الناجمة عن تعطيل الإنتاج والصادرات والاستثمارات. فالمال العام لا يُهدر بالفساد وحده، وإنما يُهدر أيضًا عندما تتوقف مئات الآلاف من البراميل عن التصدير، وتتراجع ثقة المستثمرين، وتتقلص الإيرادات التي يعتمد عليها العراق في تمويل موازنته.
ولم تقتصر الضغوط على توقف التصدير، بل تزامنت مع هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة استهدفت حقول النفط في إقليم كوردستان، وأدت إلى تعطيل أو خفض الإنتاج في عدد من الحقول، الأمر الذي زاد من الضغوط على الشركات الأجنبية العاملة في قطاع الطاقة، وألقى بظلاله على بيئة الاستثمار في العراق بأكمله.
المادة (112) من الدستور العراقي لا تتحدث عن إدارة النفط والغاز لمصلحة حكومة دون أخرى، بل تنص على تحقيق أعلى منفعة للشعب العراقي كله. كما أن المادة (13) تؤكد سمو الدستور على جميع القوانين والإجراءات، فيما كرست المادتان (117) و(121) النظام الاتحادي وصلاحيات إقليم كوردستان. وإذا كانت النتيجة بعد أكثر من ثلاث سنوات من توقف الصادرات هي خسارة تقارب خمسةً وعشرين مليار دولار، إلى جانب استمرار النزاعات المالية وتعطل الاستثمارات، فمن حق العراقيين أن يتساءلوا: هل تحققت المنفعة العامة التي أرادها الدستور؟
القضية لا تتعلق بانتصار بغداد على أربيل، أو أربيل على بغداد، لأن الاقتصاد لا يعرف المنتصر والمهزوم. فعندما يخسر العراق مليارات الدولارات، ويُحرم إقليم كوردستان من موارده، ويتضرر المستثمر، ويدفع المواطن ثمن الخلافات، فإن الخاسر الحقيقي هو الدولة العراقية بكل مكوناتها.
استخدام الاقتصاد وسيلة لإدارة الخلافات السياسية لم يؤدِّ إلى حل المشكلات، بل عمّقها، وأضعف الثقة بين الشركاء، وأضر بالاقتصاد الوطني، وأخّر التنمية في وقت يحتاج فيه العراق إلى كل برميل نفط، وكل دولار إيراد، وكل فرصة استثمار.
ويبقى السؤال الذي تفرضه لغة الحساب قبل لغة السياسة: لو طُبق الدستور بروحه ونصه، ولو أُديرت الثروة الوطنية بعيدًا عن التجاذبات السياسية، هل كان العراق سيخسر نحو خمسة وعشرين مليار دولار؟ وهل كان المواطن، في أربيل أو بغداد أو البصرة أو الموصل، سيدفع ثمن خلافات كان يمكن أن تُحل بالحوار والالتزام بالدستور؟
قد تختلف المواقف السياسية، لكن الأرقام لا تختلف. فهي لا تنحاز إلى حكومة، ولا إلى إقليم، ولا إلى حزب، بل تكشف حصيلة القرارات والنتائج على أرض الواقع. والأرقام اليوم تقول إن العراق خسر مليارات الدولارات، وإن إقليم كوردستان تحمل جزءًا كبيرًا من كلفة هذا الخلاف، وإن المواطن العراقي ظل يدفع الثمن في النهاية.
لذلك، فإن احترام الدستور، وإنهاء الخلافات المالية بين بغداد وأربيل، وحماية الثروة النفطية من الفساد والهدر، وإعادة تصدير نفط إقليم كوردستان، ليست مطالب تخص طرفًا دون آخر، بل تمثل ضرورة وطنية لبناء اقتصاد عراقي أكثر قوة واستقرارًا، ودولة اتحادية تستمد شرعيتها من العدالة وسيادة القانون، لا من إدارة الأزمات وترحيلها من عام إلى آخر.