د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
هل الفساد في العراق ثقافة أم عقيدة سياسية؟
بات الفساد في العراق ظاهرة متجذرة تجاوزت حدود المخالفات الفردية، ليتحول إلى منظومة سياسية وثقافية تحميها المحاصصة وضبابية الحدود بين مفهومي الدولة و"اللادولة". ورغم الإعلانات والوعود المتكررة للحكومات المتعاقبة، وبما فيها التوجهات المعلنة للحكومة الحالية، برئاسة علي فالح الزيدي، لمكافحة الفساد وتفعيل الرقابة، إلا أن هذه التحركات ما زالت تصطدم بنفوذ شبكات المصالح المترسخة.
وتتجلى هذه الأزمة في الفجوة الحادة بين حجم الثروة والواقع المعيشي، فبالرغم من أن العراق هو ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة "أوبك"، ويمول قطاع الطاقة فيه أكثر من 90 في المئة من الموازنة، إلا أنه يُصنف دولياً بين البيئات الأكثر هشاشة. وتظهر السجلات التاريخية للقطاع هذا الخلل بوضوح؛ ففي مارس (آذار) 2022، حققت البلاد أعلى إيرادات شهرية في تاريخها بلغت 11.7 مليار دولار (من تصدير 100.5 مليون برميل بمتوسط 110 دولارات للبرميل). لكن هذه الوفرة المالية لم تُستثمر لبناء اقتصاد مستدام أو بنية تحتية قوية، مما ترك الدولة عاجزة عن حماية شريانها الاقتصادي أحادي المنفذ أمام التوترات التي تعطل حركة الملاحة والبواخر النفطية عبر الخليج العربي.
ولا يقتصر الإخفاق على تذبذب الإيرادات، بل يمتد إلى كيفية إدارة الثروة وتوظيفها. وهنا تبرز المقارنة بين المحافظات الاتحادية وإقليم كوردستان، فبينما عانت معظم المحافظات الاتحادية وخاصة الجنوبية منها من هدر الأموال وتعثر المشاريع، استطاع الإقليم جذب الاستثمارات وتحقيق نهضة عمرانية وتطور خدمي ومؤسسي ملحوظ، مما يثبت أن الإرادة الإدارية والقرار المؤسسي هما الفارق الحقيقي في تحويل الأموال إلى خدمات ملموسة للمواطنين.
وبحسب تقييمات خبراء الطاقة، تعاني الصناعة النفطية من هدر مالي كبير بسبب تراجع الصناعات التحويلية والبتروكيماوية، إذ يستنزف استيراد المشتقات النفطية من 3 إلى 4 مليارات دولار سنوياً، يرافقه حرق الغاز المصاحب بقيمة تصل إلى 7 مليارات دولار، فضلاً عن كلف نقل تبلغ ملياري دولار. ويعد مشروع مصفى "كربلاء" مثالاً حياً على هذا النزيف، إذ استغرق إنشاؤه نحو عشر سنوات وتضاعفت كلفته من 4 مليارات إلى أكثر من 6 مليارات دولار، مع تأخر تشغيله الذي كان مفترضاً بداية عام 2021، ما أدى إلى استمرار الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
ولم يكن قطاع الكهرباء بعيداً عن هذا التردي، إذ تشير الدراسات المتخصصة إلى أن هذا القطاع الحيوي، الممتد تعثره منذ تدمير بنيته التحتية في حرب الخليج الثانية وفترة الحصار، خضع لضغوط سياسية وإقليمية جعلته نقطة ضعف في الأمن القومي. ويسهم النظام السياسي الحالي في هذا الفشل من خلال تقديم المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية، ما خلق شبكات نفوذ تعظم مكاسبها على حساب الدولة، وتحول الاستثمار في الطاقة من مشروع تنموي إلى مصدر لتمويل القوى الموازية.
وفي شرح آليات هذه الظاهرة، يرى مستشارون اقتصاديون حكوميون أن المحاصصة السياسية تشكل البيئة الحاضنة للفساد، لأنها تضعف الأجهزة الرقابية وتوفر حصانات متبادلة تشرعن تجاوز القانون، وهو ما سمح لقوى "اللادولة" بنهب الموازنات الرسمية.
كما يعد "مزاد العملة" في البنك المركزي أحد أبرز منافذ هدر النقد الأجنبي منذ عام 2003، حيث أدى غياب القيود الصارمة على التحويل الخارجي إلى تحويل بعض المصارف إلى واجهات للمضاربة المالية والهيمنة على التجارة لصالح القوى النافذة.
هذا الواقع دفع مراكز التفكير السياسي إلى وصف الفساد في العراق بأنه أصبح "دولة رديفة" تملك النفوذ والسلاح والغطاء الأيديولوجي، وتسعى لفرض سيطرتها على مؤسسات الدولة لشرعنة الهدر. وتكشف التقديرات غير الرسمية عن حجم هذه المشكلة، حيث تُقدر فاتورة الفساد المتراكمة منذ عام 2003 بنحو 500 مليار دولار، وهو ما يعادل ثلث الإيرادات النفطية الإجمالية للبلاد.
ورغم صعوبة الأوضاع والتحديات التي تواجه الإرادة السياسية للحكومة الحالية، شهدت الساحة القضائية تحركات لملاحقة المتورطين واسترداد الأموال، حيث أعلن مجلس القضاء الأعلى عن مصادرة أكثر من 85 مليون دولار كانت مخبأة في منازل وحفر سرية في قضايا فساد بوزارة النفط، إلى جانب توجيه التهم لأكثر من 120 شخصاً من مسؤولين ونواب وتجار، واسترداد أموال من مؤسسات مثل الخطوط الجوية العراقية. كما تسعى هيئة النزاهة بالتنسيق مع القضاء إلى نقل المعركة للخارج عبر صياغة قانون متخصص لاسترداد الأموال المهربة والملاحقة الدولية.
وفي الختام، يتجاوز خطر الفساد الأرقام المالية ليطال النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية، فعندما تتقدم المحسوبية على معايير الكفاءة وتتراجع الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، تتآكل ثقة المواطن بالدولة، وتتسع الفجوة الطبقية، وتنشط هجرة العقول والخبرات الأكاديمية والطبية.
إن التغلب على هذا التحدي يفرض الانتقال من حبر الشعارات والنوايا إلى خطة عمل شاملة تدار بحوكمة سديدة، وتحت إشراف ومتابعة مباشرة من رئاسة الحكومة لقيادة الملف المالي والمشاريع الوزارية بكفاءة واقتدار.
كما يتطلب ذلك استلهام التجارب التنموية الناجحة داخل البلاد، وفي مقدمتها النهضة العمرانية التي شهدها إقليم كوردستان، بما يعزز الشفافية، وينصت لسيادة القضاء، ويرسخ وعياً مجتمعياً يصون المال العام باعتباره الركيزة الأساسية لدولة المواطنة والاستقرار الدائم. كلي أمل أن تعم هذه التجربة أرجاء العراق كافة، فبرغم أن العاصمة بغداد تحظى بالوفرة الأكبر من الموارد، إلا أن الإقليم استطاع بقدراته المحدودة أن يصنع قصة نجاح ملهمة، بفضل الحكمة في التعامل مع الأزمات، وحسن إدارة الموارد والترشيد.