أنفال البارزانيين... البداية التي مهّدت للأنفال الكبرى

أنفال البارزانيين... البداية التي مهّدت للأنفال الكبرى
أنفال البارزانيين... البداية التي مهّدت للأنفال الكبرى

لم يبدأ مشروع الإبادة الجماعية الذي استهدف الشعب الكوردي بحملات الأنفال عام 1988، بل بدأ قبل ذلك بخمس سنوات، عندما قرر النظام البعثي أن يوجه ضربته إلى بارزان، ليس لأنها منطقة جغرافية، ولا لأن أبناءها ينتمون إلى عشيرة بعينها، وإنما لأنها كانت تمثل، في نظره، القلب الرمزي للحركة التحررية الكوردية. ومن هنا فإن فهم جريمة الحادي والثلاثين من تموز 1983 لا يكتمل إذا نُظر إليها بوصفها حادثة معزولة، بل يجب قراءتها بوصفها الحلقة الأولى في مشروع متكامل استهدف كسر إرادة الشعب الكوردي، ومهّد الطريق لحملات الأنفال الكبرى التي اجتاحت كوردستان بعد سنوات قليلة.

في ذلك اليوم، اعتقلت سلطات النظام البعثي أكثر من ثمانية آلاف مدني بارزاني، معظمهم من الذكور الذين تراوحت أعمارهم بين الطفولة والشيخوخة. وقد جُمِعوا من المجمعات القسرية التي كانوا قد نُقلوا إليها بعد تدمير قراهم وتهجيرهم، ثم رُحِّلوا إلى جنوب العراق، حيث أُعدموا سرًا ودُفنوا في مقابر جماعية، لم يُكشف عن عدد منها إلا بعد سقوط النظام عام 2003، فيما لا يزال مصير الآلاف منهم مجهولًا حتى اليوم. ولم تكن تلك الجريمة مجرد عملية أمنية أو انتقام سياسي، بل كانت تطبيقًا عمليًا لسياسة جديدة تقوم على استهداف جماعة بشرية كاملة بسبب هويتها ورمزيتها.

لماذا البارزانییون بالذات؟

الجواب علی هذا السؤال الجوهري: لا يكمن في الجغرافيا، بل في التاريخ. فقد ارتبط اسم بارزان ق البارزانیین، منذ عقود، بالحركة التحررية الكوردية، وأصبحت رمزًا للنضال الوطني بقيادة الملا مصطفى بارزاني، الذي تحول إلى أحد أبرز القادة الكورد في القرن العشرين. وبذلك لم تعد بارزان مجرد منطقة، بل أصبحت في الوعي الكوردي والعراقي عنوانًا لقضية سياسية ووطنية تتجاوز حدودها الجغرافية.

وكان النظام البعثي يدرك هذه الحقيقة تمامًا. ولذلك لم يكن استهداف البارزانيين استهدافًا لعشيرة أو لعائلات محددة، وإنما محاولة لضرب الرمز الذي التف حوله قطاع واسع من أبناء كوردستان. فقد اعتقد أن القضاء على البيئة الاجتماعية التي تمثل الحاضنة التاريخية للحركة التحررية سيؤدي إلى إضعافها، وربما إلى إنهاء مشروعها السياسي. وهي الفرضية التي قامت عليها كثير من سياسات الأنظمة الشمولية، التي تتوهم أن قتل الرمز يؤدي إلى قتل الفكرة.

ولهذا فإن أنفال البارزانيين كانت، في جوهرها، رسالة موجهة إلى جميع الكورد، مفادها أن الدولة مستعدة لاستخدام أقصى درجات العنف الجماعي ضد كل من يمثل الهوية الوطنية الكوردية أو يلتف حولها.

لماذا یمکن إعتبارها جریمة إبادة جماعیة؟

لا يمكن النظر إلى أنفال البارزانيين بوصفها مجرد عملية أمنية أو إجراء عسكري اتخذه النظام البعثي ضد منطقة معينة، لأن طبيعة الجريمة وأسلوب تنفيذها والأهداف التي سعت إليها تتجاوز ذلك بكثير. فالضحايا لم يُستهدفوا بسبب أفعال ارتكبوها أو مشاركتهم في أعمال قتالية، وإنما استُهدفوا بسبب انتمائهم إلى جماعة محددة ارتبطت بهويتها القومية ورمزيتها الوطنية. وقد كان الضحايا من المدنيين الذين اعتُقلوا بصورة جماعية، ثم أُخفوا قسرًا ونُقلوا إلى أماكن مجهولة قبل أن يُعدموا في إطار عملية منظمة ومخطط لها مسبقًا.

إن اجتماع هذه العناصر يكشف أن الهدف لم يكن معاقبة أفراد، وإنما استهداف جزء من الشعب الكوردي بسبب هويته وانتمائه، وهو ما ينسجم مع جوهر جريمة الإبادة الجماعية كما استقر عليها القانون الدولي. ومن هذا المنطلق، فإن أنفال البارزانيين لا تمثل حادثة معزولة في تاريخ النظام البعثي، بل تشكل إحدى الحلقات الأساسية في المشروع الذي استهدف الكورد، والذي بلغ ذروته لاحقًا في حملات الأنفال الكبرى عام 1988. ولذلك، فإن هذه الجريمة ينبغي أن تُقرأ بوصفها جزءًا من جريمة الإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق الشعب الكوردي، وليس مجرد فصل من فصول الصراع السياسي أو العسكري في تلك المرحلة.

ماذا أراد النظام؟

لم تكن لهذه العملية أهداف عسكرية بالمعنى التقليدي، لأن ضحاياها كانوا مدنيين عزلًا. أما أهدافها الحقيقية فكانت سياسية ونفسية واجتماعية في آن واحد. في الجانب السياسي، أراد النظام توجيه ضربة قاصمة للحركة التحررية الكوردية عبر استهداف الرمز الذي ارتبط بها تاريخيًا، معتقدًا أن انهيار الرمز سيقود إلى انهيار القضية نفسها. وفي الجانب الاجتماعي، سعى إلى معاقبة البيئة الحاضنة للحركة، وإفهام المجتمع الكوردي أن أي منطقة تتحول إلى مركز للنضال الوطني يمكن أن تواجه المصير ذاته.

أما في الجانب النفسي، فقد كان الهدف نشر الرعب واليأس بين أبناء كوردستان، وإقناعهم بأن الدولة قادرة على محو جماعات بشرية كاملة دون أن تواجه رادعًا أو مساءلة.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذه الجريمة بوصفها اختبارًا مبكرًا لسياسة الإبادة الجماعية التي توسعت لاحقًا في حملات الأنفال. فالنظام لم يكتفِ بمواجهة خصومه في ساحات القتال، بل انتقل إلى استهداف المجتمع نفسه، وهي المرحلة التي بلغت ذروتها بين عامي 1987 و1988 عندما شملت الأنفال مناطق واسعة من بهدينان وگرميان وسائر أنحاء كوردستان، بالتزامن مع قصف حلبجة بالأسلحة الكيميائية وتدمير آلاف القرى.

ما الذي انتهت إليه الجريمة؟

من الناحية الإنسانية، كانت النتائج كارثية. فقد فقدت آلاف الأسر آباءها وأبناءها في أيام قليلة، وظهرت أعداد كبيرة من الأرامل والأيتام، وترك اختفاء الضحايا جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الكوردية ما زال حاضرًا حتى اليوم. كما بقيت المقابر الجماعية شاهدًا على واحدة من أبشع الجرائم التي ارتُكبت في تاريخ العراق الحديث.

لكن النتائج السياسية جاءت على خلاف ما أراده النظام. فبدل أن يؤدي استهداف بارزان إلى إضعاف الحركة التحررية الكوردية، تعزز الالتفاف الشعبي حولها، وترسخت مكانة بارزان بوصفها رمزًا وطنيًا يتجاوز حدود المنطقة والانتماء الاجتماعي. كما أدرك الكورد بصورة أوضح أن ما كان يُستهدف لم يكن جماعة محددة، وإنما حقهم الجماعي في الوجود والهوية والكرامة.

ولذلك فإن أنفال البارزانيين لا يمكن فصلها عن تهجير الكورد الفيليين، أو عن حملات الأنفال الكبرى، أو عن جريمة حلبجة، لأن جميعها كانت حلقات في مشروع واحد هدفه إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي بالقوة، عبر استخدام أجهزة الدولة لإخضاع المجتمع الكوردي. وقد أكدت الأحكام القضائية العراقية بعد عام 2003 أن حملات الأنفال تمثل جريمة إبادة جماعية وفق القانون الدولي، وهو توصيف لا يقتصر على أحداث عام 1988 وحدها، بل يساعد أيضًا في فهم السياق الذي جاءت فيه جريمة أنفال البارزانيين باعتبارها مقدمة عملية لذلك المشروع.

الذاكرة التي تبني المستقبل

إن استذكار أنفال البارزانيين لا ينبغي أن يقتصر على إحياء ذكرى الضحايا، بل يجب أن يكون مناسبة لفهم الدروس التي تركتها هذه الجريمة. فالإبادة الجماعية لا تبدأ بالمقابر الجماعية، وإنما تبدأ عندما تحتكر السلطة الحقيقة، وتلغي التعددية، وتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات للقمع بدل أن تكون مؤسسات لحماية المواطنين.ومن هنا فإن العدالة لا تكتمل بمحاكمة بعض المسؤولين فحسب، وإنما تتطلب مواصلة الكشف عن مصير المفقودين، وفتح جميع المقابر الجماعية، وإنصاف الضحايا وذويهم، وحفظ الذاكرة الوطنية باعتبارها جزءًا من مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.

كما أن حماية النظام الديمقراطي، وترسيخ سيادة القانون، واحترام التعددية القومية والدينية، وتعزيز النظام الاتحادي القائم على الشراكة الحقيقية، ليست قضايا تخص الكورد وحدهم، بل تمثل ضمانة لجميع العراقيين حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي بحق أي مكون من مكونات الوطن.

لقد أراد النظام البعثي أن يجعل من أنفال البارزانيين نهاية لرمزية بارزان، فإذا بها تصبح بداية لترسيخها في الذاكرة الوطنية الكوردية، وأول شاهد على أن المشروع الذي استهدف البارزانيين لم يكن يستهدف منطقة أو عشيرة، بل كان يستهدف الحركة التحررية الكوردية، ومن خلالها الشعب الكوردي بأسره. ولهذا بقيت هذه الجريمة، بعد أكثر من أربعة عقود، ليست مجرد ذكرى أليمة، بل محطة تاريخية كشفت مبكرًا طبيعة المشروع الذي بلغ ذروته لاحقًا في الأنفال الكبرى، وأكدت أن الأفكار والقضايا الوطنية قد تدفع أثمانًا باهظة، لكنها لا تُمحى بالقوة، ولا تنتهي بإرادة الجلاد.