رسالة إلى الوالي

رسالة إلى الوالي
رسالة إلى الوالي

منذ وصول الحكومة السورية الجديدة إلى السلطة، ينصب اهتمامنا على مراقبة الأفعال أكثر من الأقوال؛ لأن الدول لا تُقاس بخطاباتها التلفزيونية، بل بالسياسات التي تُنتجها على الأرض. ولهذا، فإن كل تصريح يصدر عن رأس الدولة يستحق أن يُقرأ ويُفكك باعتباره جزءاً من رؤية سياسية حاكمة، لا مجرد إجابة عابرة في مقابلة إعلامية.

ما لفت الانتباه في المقابلة الأخيرة التي أجراها الرئيس أحمد الشرع مع قناة الجزيرة، لم يكن حديثه عن الكورد بحد ذاته، بل الهندسة اللفظية التي صِيغ بها هذا الحديث. فقد بدا الخطاب في ظاهره تصالحياً، يرتكز على مفردات المواطنة، حفظ الحقوق، ورفض التمييز. غير أن القراءة الأكاديمية المتأنية لما بين السطور، توحي بمحاولة منهجية لإعادة تعريف "القضية الكوردية" بصورة تفرغها من جوهرها التاريخي والسياسي.

وهنا تكمن الإشكالية العميقة.

الخطر اليوم لا يتمثل في إنكار الوجود الكوردي – فهذه مرحلة تجاوزها الزمن – بل في نمط "الاعتراف" الذي قد يُفرّغ قضية شعب يمتلك هوية قومية وتاريخاً سياسياً من مضمونها. حين تُختزل قضية قومية كبرى إلى مجرد "حقوق ثقافية" أو "حريات فردية" تُمنح كمنحة من دولة مركزية، فإن السؤال لم يعد: "هل اعترفت الدولة بالكورد؟"، بل الأهم: "بأي شيء اعترفت تحديداً؟".

إن المسافة بين الاعتراف بالحقوق الثقافية والاعتراف بالشراكة القومية، هي ذاتها المسافة بين أن تنظر إلى الكورد بوصفهم "أقلية" تحتاج إلى رعاية وتسامح، وبين أن تعترف بهم بوصفهم "شريكاً تأسيسياً" في بناء الدولة. المقاربة الأولى تمنح الفلكلور واللغة مساحة للتنفس، أما الثانية فتمنح الأمة مكاناً في صياغة العقد الوطني ومستقبل الحكم. وبين الأمرين، تُصنع أوطان أو تُهدم.

تاريخ الشرق الأوسط والفضاء الأوراسي يزخر بالأمثلة التي تثبت أن الدول لم تدخل نفق الأزمات والحروب الأهلية لأنها اعترفت بتعددها القومي، بل لأنها حاولت قسراً صهر هذا التعدد داخل بوتقة هوية سياسية واحدة أحادية اللون.
ولنا في تجربة "كوردستان الحمراء" في جنوب القوقاز درس جيوسياسي بالغ الأهمية لا ينبغي تجاهله. فقد بدأ الأمر هناك باعتراف إداري وثقافي بالوجود الكوردي، لكن هذا الاعتراف وُلد ميتاً لأنه لم يتحول إلى عقد سياسي دستوري دائم، بل بقي مرهوناً بمزاج السلطة المركزية. وما إن تغيرت أولويات الدولة، حتى تراجعت الحياة العامة الكوردية تدريجياً. واللافت تاريخياً، أنه في عهد وكيل مصطفيف، ورغم أن رئيس الجمهورية حيدر علييف كان ذا أصول كوردية، إلا أن سياسة الدولة اتجهت نحو سحق الروح القومية الكوردية لصالح تقوية الهوية الأذرية وتوطيد أركانها. لم تكن المشكلة حينها في منع اللغة، بل في غياب الضمانات التي تجعل الوجود القومي جزءاً من البنية التحتية للدولة، لا مجرد ورقة إدارية قابلة للتمزيق.

ولو وسّعنا عدسة المقارنة نحو التجارب الدستورية العالمية، لوجدنا أن الدول الكبرى لم تحقق استقرارها بالتنكر لهوياتها الفرعية، بل بمأسسة الشراكة معها. في كندا، لم تنجح أوتاوا في احتواء النزعة الانفصاليه في كيبيك عبر فرض لغة مركزية أو هوية أحادية، بل من خلال الاعتراف بهم كـ "أمة داخل كندا"، مما حوّل طاقة الانفصال إلى طاقة بناء سياسي مشترك.

وفي المملكة المتحدة، لم يكن الاعتراف بخصوصية اسكتلندا السياسية وتأسيس برلمانها المحلي في إطار الـ (Devolution) خطوة نحو انهيار بريطانيا، بل كان إعادة صياغة لعقد الاتحاد بما يضمن استمراره. أما في إسبانيا، فإن خروج الدولة من حقبة المركزية القاتلة التي فرضها فرانكو، لم يتحقق إلا بإقرار الشراكة السياسية ومنح الحكم الذاتي الواسع لإقليمي الباسك وكتالونيا؛ وهو ما جعل الدستور الإسباني ضامناً للاستقرار رغم كل التجاذبات السياسية اللاحقة.

هذه الأمثلة المقارنة تؤكد حقيقة راسخة في علم العلاقات الدولية والنظم السياسية: الدول لا تنهار لأنها اعترفت بالقوميات، وإنما تنهار عندما تظن أن الاعتراف الثقافي يمكن أن يكون بديلًا عن الشراكة السياسية.

لذلك، فإن الكورد السوريين لا يقرؤون تصريحات أي رئيس بمعزل عن ذاكرة التاريخ؛ فهذه الذاكرة مثقلة بالتجارب التي علمتهم ألا يكتفوا بالكلمات المنمقة، بل أن يبحثوا عن إجابات للأسئلة القاسية: هل تعترف الدولة بوجود قومية كوردية شريكة في تراب هذا الوطن؟ أم أنها تقر فقط بوجود "مواطنين يتحدثون الكوردية" ولهم بعض الفلكلور؟ وهل الهدف هو دمج الكورد في الدولة كشركاء، أم تذويبهم في هوية سياسية ترفض الاعتراف بخصوصيتهم؟

يا سيادة الوالي...
إن الدولة الوطنية الحديثة لا تُبنى على ثنائية "الأكثرية والأقلية"، بل تُبنى على مبدأ الشراكة. والشراكة لا تعني تقاسم الجغرافيا فحسب، بل تقاسم المسؤولية، والقرار، وصناعة المستقبل. الاعتراف بالقومية الكوردية لا ينتقص سيادة دمشق ولا يهدد هوية الدولة السورية، بل يمنحها فرصة تاريخية للتحول من دولة قامت لعقود على احتكار السلطة وقمع التنوع، إلى دولة تستمد شرعيتها من الثقة بين مكوناتها.

قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على السيطرة على الأرض، بل بقدرتها على استعادة ثقة الإنسان. وإذا شُخّصت الحالة الكوردية على أنها مجرد أزمة ثقافية يُكتفى بحلها عبر تدريس لغة أو السماح بأغنية، مقابل تخليهم عن مشروعهم السياسي، فإن الصراع لن ينتهي، بل سيأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً. أما إذا أدرك الكورد أنهم شركاء فعليون في كتابة دستور سوريا الجديدة، فإنهم سيكونون أول المدافعين عن حدود هذه الدولة، لأنها ستكون دولتهم حقاً، لا مجرد جغرافيا يقيمون فيها.

لهذا، فإن السؤال المحوري الذي يجب أن يُطرح على طاولة صناع القرار اليوم ليس: "ماذا ستفعل قسد؟" أو "ما هي شروط دمشق؟"، بل: "أيُّ دولةٍ نريد لسوريا أن تكون؟".

هل ستكون دولة تستبدل لغة الإقصاء الخشنة بلغة ناعمة تحافظ على ذات الجوهر الإقصائي؟ أم ستكون دولة تمتلك الشجاعة التاريخية للاعتراف بأن وحدة الأوطان لا تُبنى بصهر الهويات وإذابتها، بل بصياغة عقد وطني متين يجعل كل قومية تؤمن إيماناً راسخاً بأنها شريك كامل في المصير؟

هذا هو الامتحان الحقيقي... وما دونه تفاصيل.