د. رضوان باديني
باحث وخبير إعلامي
في ذكرى طالبي الشهيد (طارق شنگالي) الذي لم تغب صورته عن مخيلتي!
تمر اثنتا عشرة سنة على فاجعة شنكال، لكن بعض الوجوه لا تغيب عن الذاكرة مهما تعاقبت الأعوام. ومن تلك الوجوه وجه طالبـي العزيز طارق شنگالي.
لم يكن طارق مجرد طالب إعتيادي يجلس في قاعة الدرس، بل كان أخاً وصديقاً وإنساناً نبيلاً ترك في نفسي أثراً لا يمحى. كان أكبر من كثير من زملائه سناً، وأكثرهم خبرةً بالحياة، فقد عمل في مجال الإعلام قبل أن يلتحق بقسمنا، ولذلك كانت أحاديثه معي تحمل دائماً وعياً وهدوءاً ونضجاً يلفت الانتباه.
كان يفرح فرحاً طفولياً كلما خاطبته ببعض الكلمات الإيزيدية، ويكاد يطير سعادة عندما كنت أقول له:
“Bi Xwedê û Tawusê Melek.”
كان يشعر أن هويته محترمة، وأن دينه وتراثه يجدان من يقدرهما، في زمنٍ اعتاد فيه الإيزيديون أن يُساء فهمهم أو يُظلموا.
كان يحدثني دائماً عن شنكال؛ عن أهلها وجبالها ومعابدها، وعن هموم الناس وآمالهم. وكان يبتسم بفخر كلما أكدت له أن الإيزيدية ليست غريبة عن تاريخ الكورد، وأنها جزء أصيل من حضارتهم، وأن الكورد لم يتخلوا عن دينهم القديم بإرادتهم، بل دفعتهم ظروف التاريخ وقوة السيف إلى اعتناق الإسلام.
ثم جاء الثالث من آب 2014…
وجاء معه أحد أكثر الأيام سواداً في تاريخ شعبنا.
وبعد أيام قليلة، وصلني الخبر الذي لم أكن أريد أن أسمعه أبداً…
استُشهد طارق.
لم أفقد طالباً فحسب، بل فقدت إنساناً عرفته صادقاً، متواضعاً، نبيلاً، ومحباً لشعبه. رحل مع آلاف الضحايا الذين أراد الإرهاب أن يمحو وجودهم، لكنه لم يستطع أن يمحو ذكراهم.
اليوم، كلما تذكرت طارق، أتذكر أن الإبادة الجماعية ليست أرقاماً في تقارير دولية، بل هي وجوه نعرفها، وأصوات سمعناها، وأحلام كانت تستحق أن تعيش.
رحم الله طارق شنگالي، ورحم جميع شهداء الإبادة الجماعية للإيزيديين.
ستبقى ذكراك حية في قلوب من عرفوك، وسيبقى اسمك شاهداً على جريمة لن ينساها التاريخ، وعلى شعبٍ قاوم الموت وتمسك بالحياة والكرامة.
المجد والخلود لروحك الطاهرة، ولأرواح جميع شهداء شنگال.