مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
العراق : ثروة... وأزمة رواتب
ليست مهمة رئيس الوزراء علي الزيدي اليوم إدارة حكومة فحسب، بل مواجهة إرث ثقيل من الفساد المالي والإداري تراكم على مدى أكثر من عقدين، حتى أصبح أحد أكبر العوائق أمام بناء دولة قادرة على استثمار ثرواتها. فالمعركة الحقيقية لا تقتصر على ملاحقة الفاسدين أو استرداد الأموال العامة، بل تمتد إلى إعادة الثقة بين المواطن والدولة، وإثبات أن المال العام يمكن أن يتحول من مصدر للهدر إلى ركيزة للتنمية والاستقرار.
الخطوات التي انتهجها الزيدي في مكافحة الفساد المالي تعكس توجهًا أكثر جدية نحو إصلاح المالية العامة، وتشديد الرقابة على الإنفاق، وإغلاق منافذ الهدر التي استنزفت خزينة الدولة لسنوات طويلة. ومع ذلك، فإن النجاح الحقيقي لن يُقاس بعدد الملفات المفتوحة أو التصريحات المعلنة، بل بقدرة هذه الإجراءات على استعادة الأموال العامة، وترسيخ مبدأ المحاسبة، وتحويل موارد الدولة إلى مشاريع وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز معركة الفساد نفسها: كيف يمكن لدولة تمتلك واحدة من أكبر الثروات الطبيعية في العالم أن تجد نفسها، بين الحين والآخر، أمام أزمة في دفع رواتب موظفيها؟
في نهاية كل شهر، لا ينتظر ملايين العراقيين إعلان مشروع اقتصادي جديد، ولا افتتاح مصنع، ولا اكتشاف حقل نفطي. كل ما ينتظرونه هو رسالة قصيرة من المصرف تؤكد وصول الراتب.
ذلك الراتب، الذي يفترض أن يكون حقًا قانونيًا ودستوريًا مقابل العمل، تحول إلى مصدر قلق دائم، وإلى مادة للجدل السياسي. ومع كل تأخير في الصرف أو حديث عن نقص السيولة، تتكرر الرواية ذاتها: أزمة مالية، أو تراجع في الإيرادات، أو ضغوط على الموازنة.
لكن هل المشكلة فعلًا في نقص الموارد؟
وفق بيانات منظمة أوبك وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمتلك العراق ما بين 145 و150 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، ليحتل المرتبة الخامسة عالميًا. كما ينتج قرابة 4.9 ملايين برميل يوميًا، ويصدر أكثر من 3.3 ملايين برميل، ما يوفر للدولة عشرات المليارات من الدولارات سنويًا بحسب الأسعار العالمية.
ورغم هذه الوفرة، يبين البنك الدولي أن النفط ما يزال يمثل نحو 88% من إيرادات الحكومة وأكثر من 90% من الصادرات، وهو اعتماد يجعل المالية العامة شديدة التأثر بأي تقلب في الأسواق العالمية. ولهذا دعا صندوق النقد الدولي مرارًا إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وإصلاح الإدارة المالية، وتقليص الاعتماد على النفط.
غير أن النفط ليس سوى جزء من الصورة.
فالعراق يمتلك احتياطيات غاز طبيعي تُقدَّر بنحو 132 تريليون قدم مكعب، لكنه ما يزال يحرق كميات كبيرة من الغاز المصاحب، بينما ينفق مليارات الدولارات سنويًا على استيراد الغاز والطاقة. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن العراق ما يزال من بين الدول الأعلى عالميًا في حرق الغاز، رغم أن استثماره كان كفيلًا بتقليل الاستيراد، وزيادة إنتاج الكهرباء، وتعزيز الإيرادات.
وفي الزراعة، يمتلك العراق ما بين 25 و28 مليون دونم صالحة للزراعة، لكن جزءًا كبيرًا منها لا يدخل دائرة الإنتاج، فتحولت بلاد الرافدين، التي كانت يومًا سلة غذاء المنطقة، إلى مستورد رئيسي للعديد من المنتجات الزراعية.
أما السياحة، فيضم العراق نحو 15 ألف موقع أثري مسجل، إضافة إلى عشرات الآلاف من المواقع غير المكتشفة، فضلًا عن ملايين الزائرين الذين يقصدون العتبات الدينية كل عام. ورغم هذه المقومات، ما تزال مساهمة السياحة في الاقتصاد الوطني محدودة، مقارنة بما تحققه دول تمتلك موارد أقل بكثير.
ولا تتوقف موارد الدولة عند النفط والغاز والزراعة والسياحة، بل تشمل الضرائب، والجمارك، والمنافذ الحدودية، والموانئ، والخدمات الحكومية، والاتصالات، والصناعات العامة. ولو أُديرت هذه الموارد بكفاءة، لأصبحت ركيزة حقيقية لاقتصاد متنوع لا يعتمد على النفط وحده.
وهنا تكمن المفارقة.
ففي الوقت الذي حولت فيه النرويج عائدات النفط إلى أكبر صندوق سيادي في العالم، واستثمرت الإمارات ثروتها في التجارة والسياحة والخدمات، وأطلقت السعودية برامج واسعة لتنويع اقتصادها، ما يزال العراق يناقش، مع كل أزمة، السؤال ذاته: كيف ندفع الرواتب؟
يعرف الاقتصاديون هذه الحالة باسم "لعنة الموارد"؛ وهي ظاهرة تشير إلى أن الدول الغنية بالثروات الطبيعية قد تحقق أداءً اقتصاديًا ومؤسسيًا أضعف من دول أقل ثراءً عندما تغيب الحوكمة الرشيدة، وتضعف المؤسسات، ويتحول الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي يستهلك الثروة بدل أن يستثمرها.
واختزال الأزمة في الرواتب يبتعد عن جوهر المشكلة. فالراتب ليس منحة من الحكومة، بل حق لموظف أدى واجبه. وإذا كانت دولة بهذا الحجم من الموارد تجد صعوبة في الإيفاء بهذا الالتزام، فإن السؤال يجب أن يتجه إلى كفاءة إدارة المال العام، لا إلى جيب الموظف. ويبدو أن العراق اليوم لا تنقصه الثروات، بل يحتاج إلى إدارة تحسن استثمارها. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بزيادة الضرائب أو تحميل المواطن أعباءً جديدة، وإنما بإغلاق منافذ الهدر، ومحاربة الفساد، وتحويل الموارد إلى فرص تنمية يشعر بها الناس في حياتهم اليومية. فالدول لا تُقاس بما تختزنه أرضها، بل بما يصل من خيرها إلى مواطنيها.