إلى ضامني الدستور.. كركوك والحدود الفاصلة للسيادة

إلى ضامني الدستور.. كركوك والحدود الفاصلة للسيادة
إلى ضامني الدستور.. كركوك والحدود الفاصلة للسيادة

تستند الدول الاتحادية الحديثة في ديمومتها وسِلمها الأهلي إلى جدار حماية أساسي لا يقبل الاهتزاز.. علوية الدستور وسمو العقد الاجتماعي. فالدستور العراقي لعام 2005 لم يُكتب ليُقرأ كالنصوص السياسية القابلة للتأويل اليومي أو لتُصاغ حوله وجهات النظر حسب الموازين الميدانية وتغيّر الإدارات المحلية بل أُقرّ بكونه المظلة التشريعية الأعلى والفيصل الوحيد لتنظيم العلاقة بين السلطات والمكونات وإحقاق الحقوق التاريخية والدستورية.

​إن المتابعة التحليلية لما تشهده محافظة كركوك مؤخراً سواء عبر تصريحات تُشكك بفاعلية وسريان المادة 140 الدستورية أو من خلال الممارسات الميدانية المتكررة التي تطال الفلاحين الكرد والتركمان وتضيّق عليهم في استغلال أراضيهم الزراعية التاريخية (في سركران، طوبزاوة، ودبس) تكشف عن انحراف ملموس في فهم حدود الوظيفة العامة ومفهوم دولة المؤسسات.

 

​التكييف الدستوري والأبعاد القضائية

​الكتلة القضائية الباتة (قرار المحكمة الاتحادية رقم 81/اتحادية/2019):

حسم القضاء الاتحادي الأعلى أي سجال حول مصير المادة 140 من الدستور العراقي حيث أكدت المحكمة الاتحادية العليا صراحة في قرارها المبدئي والبات أن المادة سارية المفعول وتلزم جميع السلطات الاتحادية والمحلية بتطبيقها لحين استكمال كافة مراحلها الشاملة (التطبيع، الإحصاء، والاستفتاء)، وبناءً عليه فإن أي ادعاء أو تصريح صادر عن مسؤول تنفيذي ينفي وجود هذه المادة أو يعلن انتهاءها يُعتبر تجاوزاً صارخاً للكتلة الدستورية والقرارات القضائية الملزمة.

 

​تعطيل تشريعات إلغاء قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل

إن أزمة الأراضي الزراعية في كركوك ليست نزاعاً عقارياً طارئاً بل هي امتداد لسياسات الهندسة الديموغرافية والقرارات الجائرة الصادرة عن النظام السابق، وإن استمرار منع الفلاحين الكورد والتركمان من حراثة أراضيهم وتجديد عقودهم يُخالف التشريعات الاتحادية الصادرة عن مجلس النواب والقاضية بإلغاء قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل وإعادة الحقوق لأصحابها الشرعيين، إن الامتناع عن تطبيق هذه التشريعات الوطنية يُمثل خرقاً إدارياً وقانونياً يُعيد إنتاج الظلم التاريخي ويُعطل العدالة الانتقالية.

 

​مقيدات السلطة التنفيذية واليمين الدستورية

وفق المادة (50) من الدستور، يلتزم كل مسؤول ومكلف بخدمة عامة بيمين قانونية تقضي برعاية مصالح الشعب والالتزام بالتشريعات الوطنية، وإن المحافظ أو رئيس الإدارة المحلية يُعتبر في أصل القانون مُمثلاً لتطبيق القوانين وليس سلطة تشريعية أو تأسيسية لتحديد النص الذي يُعمل به أو يُلغى.

 

​التبعات القانونية والجنائية للمساس بالدستور

تؤكد السوابق القضائية الصادرة عن القضاء الاتحادي أن خرق أحكام الدستور يُجرد المسؤول من مظلة التغطية الوظيفية ويُرتب عليه المسؤولية الشخصية والمدنية، كما تقع أي إجراءات ميدانية تتسبب بإلحاق الضرر بحقوق الفلاحين وتجميد عقودهم دون سند قانوني تحت طائلة المادة (331) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 التي تعاقب بالحبس أو الغرامة كل موظف يتعمد ارتكاب ما يخالف واجبات وظيفته بقصد الإضرار بالأفراد أو الدولة.

 

رسائل صريحة من واقع التحليل والدفاع عن المبدأ

​أمام هذه الحقائق المعرفية والقانونية، لا يمكن للخطاب التحليلي أن يكتفي بالتوصيف والنقد النظري بل يتحتم توجيه رسائل صريحة ومباشرة إلى الجهات الضامنة والحامية للعملية الدستورية:

 

إلى القضاء الاتحادي والمحكمة الاتحادية العليا:

​"إن حماية الدستور تبدأ من فرض الالتزام بأحكامه ومنع التفاف السلطات التنفيذية عليها."

بصفتكم الحارس الأمين على الوثيقة الوطنية تُصبح الحاجة ماسة اليوم لتفعيل الأدوات الزجرية والرقابية التي تضمن تنفيذ القرارات القضائية الصادرة عنكم بشأن المادة 140 وقوانين العدالة الانتقالية، إن غض الطرف عن التجاوزات اللفظية والإدارية التي تمس النصوص الحاكمة يُشجع على تكرار المخالفات ويُضعف هيبة المؤسسة القضائية في المحافظات المتنازع عليها.

 

​إلى الإدارة المحلية والسلطات التنفيذية في كركوك:

​"إن شرعية المنصب تقترن بالحياد التام واحترام حقوق كافة المكونات."

إن إدارة محافظة متنوعة وحساسة ككركوك تستوجب أعلى درجات الحكمة والابتعاد عن الخطابات التي تُثير الفتنة القومية أو تسعى لفرض سياسات الأمر الواقع، اعلموا أن التعايش السلمي لا يُبنى على مصادرة حقوق الفلاح الكوردي أو التركماني وأن محاولة تجاوز الدستور أو الاستقواء بالسلطة لن تُغيّر من الحقائق التاريخية والقانونية لملكية الأراضي.

 

​إلى ممثلي الشعب والقوى السياسية في مجلس النواب:

​"إن الصمت عن خرق المادة 140 هو تمهيد لتفكيك بقية مواد الدستور."

يتوجب على السلطة التشريعية ممارسة دورها الرقابي الأصيل عبر استجواب ومساءلة كل مسؤول يُخل بيمينه الدستورية والتسريع بإحالة وتطبيق التشريعات التي تضمن إلغاء قرارات التغيير الديموغرافي الصادرة عن النظام السابق وإعادة الحقوق والأراضي لمالكيها الشرعيين لحسم هذا الملف نهائياً.

 

​ لعدالة والتطبيق الدستوري.. أفق الاستقرار المستدام

إن كركوك لم تكن يوماً مجرد جغرافيا متنازع عليها، بل هي المعيار الحقيقي لمدى نجاح تجربة عراق المؤسسات وراعية التنوع العراقي الفسيح، ومن هنا فإن الذود عن أحكام الوثيقة الوطنية العليا ليس اتخاذ موقف فئوي أو سياسي ضيق بل هو تمسك بالركيزة الوحيدة التي تصون السلم الأهلي وتضمن حقوق المكونات كافة بلا استثناء.

إن تجاوز الأزمات التاريخية في كركوك وتحويلها من نقطة تجاذب إلى نموذج للتعايش والشراكة الاقتصادية والاجتماعية يتطلب الشجاعة السياسية في الالتزام بالدستور والتطبيق الشفاف والمكتمل للمادة 140 وفق قرارات المحكمة الاتحادية العليا، إن سيادة القانون والتسوية العدلية الشاملة هي الطريق الأمثل لبناء الثقة لبنةً لبنة وترسيخ استقرار دائم يخدم جميع أبناء المحافظة ويصون كرامة الدولة وهيبتها المؤسسية.