آهورا قاضي
كاتب وصحفي
لماذا يُحكم على الأسد بالإعدام في حين يحظر القانون الدولي تسليم المحكومين بالإعدام الى بلادهم؟
أصدرت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق حكماً بالإعدام بحق بشار الأسد غيابياً، ومعه شقيقه ماهر الأسد، القائد السابق للفرقة الرابعة، وقائمة من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين في الحكومة السابقة، من بينهم: وزير الدفاع الأسبق فهد جاسم الفريج، والمسؤولون الأمنيون لؤي العلي، وقصي ميهوب، ووفيق ناصر، وطلال العاصمي. جاءت التهم جسيمة ومحددة: القتل العمد لضحايا متعددين بينهم أطفال، التحريض على القتل، التعذيب المفضي إلى الموت، الخطف والاعتقال التعسفي، ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب.
ووصف رئيس المحكمة، القاضي فخر الدين العريبي، بشار الأسد بأنه الفاعل المعنوي وصاحب القرار النهائي الذي وجه مؤسسات الدولة نحو ارتكاب هذه الجرائم. كما أسقطت المحكمة كافة الحصانات، وأصدرت مذكرات توقيف، وأوعزت للجهات المختصة بملاحقة المتهمين دولياً.
ثمة مشكلة وحيدة، وهي ليست بالهينة: تقريباً لا أحد من هؤلاء المحكومين كان حاضراً في القاعة.
بشار الأسد في روسيا، وماهر الأسد ومعظم الآخرين فروا خارج البلاد. المتهم الوحيد الذي مثل جسدياً أمام المحكمة في دمشق هو عاطف نجيب، ابن خالة الأسد والرئيس الأسبق لفرع الأمن السياسي في درعا. إن حكماً بهذا الحجم، يصدر ضد كراسي فارغة، يستحق التمعن لا فيما يدعي تحقيقه، بل فيما يمكنه إنجازه فعلياً على أرض الواقع.
حكمٌ يستعصي على التنفيذ
يجعل القانون الدولي الحدود العملية لهذا الحكم واضحة بشكل استثنائي. فبموجب مبدأ عدم الإعادة القسرية، تُمنع الدول عموماً من تسليم أو إعادة أي شخص إلى بلد يواجه فيه خطراً حقيقياً بالإعدام أو التعذيب أو الحرمان التعسفي من الحياة. يتغلغل هذا المبدأ في عدة صكوك دولية ملزمة: المادة 33 من اتفاقية اللاجئين لعام 1951، التي تحظر إعادة اللاجئ إلى إقليم تكون فيه حياته أو حريته مهددة؛ والمادتان 6 و7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المتعلقتان بالحق في الحياة وحظر المعاملة القاسية، واللتان فسرتهما لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بأنها تمنع التسليم إذا كان الإعدام خطراً قائماً؛ والمادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة مناهضة التعذيب.
من الناحية العملية، لا تتعرض روسيا لأي ضغوط تدفعها لتسليم الأسد؛ فلا توجد معاهدة تجبرها على ذلك، ولا يوجد تحالف يهدد بعواقب في حال الرفض، ولا تظهر في السجلات العامة أي مؤشرات على تغير في حسابات موسكو. وأمام هذا الواقع، يبدو حكم الإعدام الصادر من دمشق، في ظاهره، أداةً لا تملك هدفاً يمكن الوصول إليه.
وعلاوة على ذلك، يُستند في السياق القانوني إلى أن روسيا ليست طرفاً في اتفاقية الإنتربول الخاصة بتنظيم التعاون الدولي في الملاحقة الجنائية وتسليم المجرمين، وبشكل أكثر تحديداً، فإن موسكو لم توقّع على الصيغة الموحّدة لطلبات التسليم المنبثقة عن قرارات الجمعية العامة للإنتربول، كما أنها ليست ملزمة بالبروتوكولات التنفيذية لآلية النشر الأحمر كأساس قانوني للتسليم القسري، إذ تعتبر روسيا أن هذه الآليات ذات طابع استشاري وتنسيقي، وليست ملزمة قانونياً ما لم تتوافق مع تشريعاتها الداخلية ومعاهداتها الثنائية المستقلة.
سيكون من التبسيط المفرط التوقف عند هذا الحد، فالصورة القانونية أكثر تعقيداً مما يوحي به حظر الإعادة القسرية. فالمادة (1 و) من اتفاقية اللاجئين لعام 1951 تستثني الأفراد المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من حماية اللاجئين تماماً؛ مما يعني أن الدرع الذي يُمنح عادة في حالات الاضطهاد السياسي أو الديني لا يمتد تلقائياً لمن أدينوا بجرائم وحشية.
كما تتيح ممارسة التسليم الدولية ما يعرف بـ الضمانات الدبلوماسية: وهي التزام رسمي مكتوب من الدولة الطالبة (سوريا) باستبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد، وهو ما قد يرفع العقبة القانونية حتى في القضايا الجنائية الكبرى. ولأن حكم دمشق صدر غيابياً، فإن الإجراءات الجنائية القياسية تقضي بإلغاء الحكم تلقائياً فور القبض على المتهم أو تسليمه، مما يستدعي إجراء محكمة جديدة تضمن حقوق الدفاع كاملة، وهي محكمة يمكنها استبدال الإعدام بالمؤبد، مما يسهل طريق التسليم مستقبلاً. ومن الجدير بالذكر أن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، ولا تندرج ضمن فئات الجرائم التي تمنح المتهم حق اللجوء.
نظرياً، هناك مسار يمكن من خلاله تسليم الأسد ومحاكمته دون انتهاك القانون الدولي. لكن عملياً، يعتمد هذا المسار كلياً على قرار روسيا، ولا شيء في السجل الحالي يشير إلى أن موسكو لديها أي مبرر لذلك. الآلية القانونية موجودة، لكن الإرادة السياسية لتفعيلها غائبة. والمسار الذي يتوقف على تعاون الحكومة الأقل استعداداً لتقديمه هو مسار نظري فحسب، حتى الآن.
ما الذي يجنيه الحكم لدمشق فعلياً؟
إذا لم يكن القصد من الحكم هو التنفيذ المباشر، فإن السؤال الأكثر واقعية هو: ما الهدف منه؟ تترتب على هذا الحكم عدة نتائج: فهو يحول صفة الأسد رسمياً من رئيس دولة سابق إلى مجرم مدان بموجب القانون السوري، مجرداً إياه من أي غطاء دبلوماسي أو سياسي قد يتذرع به.
كما يمنح دمشق الأساس القانوني المحلي لطلب النشرات الحمراء من الإنتربول، مما يقيد حركة الأسد ومعاونيه في حوالي 190 دولة، ويحصرهم فعلياً داخل الأراضي الروسية. كما يؤسس لسجل قضائي موثق يمكن لأي حكومة مستقبلية استخدامه إذا ما تغيرت المصالح الروسية أو تبدل المشهد الدولي.
كل ما سبق ليس عديم القيمة، لكنه ليس محاسبة بالمعنى الذي يقصده الناس العاديون: أي متهم يقبع خلف القضبان، ومحاكمة يحضرها الجاني للرد على التهم، وعقوبة تُنفذ فعلياً. ما يقدمه الحكم بدلاً من ذلك هو مكانة قانونية ودبلوماسية ورمزية للحكومة في دمشق.
هذا التمييز جوهري، لأنه يثير تساؤلاً لا تجيب عليه المحكمة: هل هذا الحكم خطوة أولى صادقة نحو المحاسبة، لبناء بنية تحتية قانونية لاقتصاص مستقبلي؟ أم أنه مجرد مسرحية سياسية تهدف من خلالها الحكومة السورية الجديدة إلى إظهار الحزم، وإرضاء المطالب المحلية بالعدالة، وتصدير الشرعية على الساحة الدولية في لحظة لا يكلفها فيها ذلك شيئاً؟ إن السجلات المتاحة لا تحدد أي الدافعين هو الأرجح، وسيكون من الخطأ افتراض سوء النية دون دليل.
إن أقوى حجة لصالح هذا الحكم هي وجود الحكم بحد ذاته, لأن الحكم على بشار الاسد واسقاط صفة الرئيس السوري السابق عنه أهم من تنفيذ الحكم فورا؛ فالمصالح السياسية تتبدل، والحكم الجاهز سينتظر اليوم الذي تتغير فيه حسابات روسيا.
وبالنسبة للسوريين الذين عاشوا الجرائم الموصوفة، فإن وجود سجل قضائي يصف تلك الأفعال بأنها جرائم وليس مجرد صراع سياسي يحمل قيمة معنوية حقيقية، بغض النظر عما إذا كان الأسد سيقضي يوماً واحداً في سجن سوري أم لا.
هذه الحجة تستحق التقدير، لكنها ليست كافية وحدها. فالسجل القانوني الذي يظل مجرد سجل إلى أجل غير مسمى ليس خطوة نحو العدالة، بل هو بديل عنها. والبدائل تميل إلى أن تصبح دائمة عندما لا يتم السعي وراء المسار الأصعب. إن اختبار هذا الحكم لن يكون في قدرة دمشق على صياغة قرار قضائي مسبب ضد كرسي فارغ، بل سيكون في مدى اعتبار الحكومة الجديدة لهذا الحكم خطوة افتتاحية في جهد مستدام لتأمين التسليم عبر الضغوط الدبلوماسية، وقنوات الإنتربول، وأي أوراق ضغط تتاح لها.