د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
فينومينولوجيا نضال الحزب الديمقراطي الكوردستاني في ذكراه الثمانين
في فلسفة التاريخ وتتبع مسارات التحول الاجتماعي والسياسي، تتجاوز بعض التواريخ أبعادها الزمانية المجردة لتتحول إلى رمزية مكثفة لتشكّل الهوية الوطنية للشعوب، إذ يعد يوم السادس عشر من آب 1946 لحظة إدراك استعاد فيها الفاعل الكوردي إرادته القومية متخذاً قراراً إستراتيجياً بتأسيس كيان سياسي يُعبر عن تطلعاته المشروعة.
وقد شكل تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني بزعامة القائد الوطني والأب الروحي للأمة الكوردية، مصطفى بارزاني، استجابة وجودية لنقل العمل القومي من الأطر التقليدية إلى تنظيم مؤسسي يمتلك رؤية برنامجية شاملة لحماية الهوية الوطنية.
وفي تلك اللحظة الفاصلة، أضفى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني بالتزامن مع تأسيس الحزب بعداً فلسفياً أعمق لِهذا التاريخ، حیث جسد التلازم البنيوي بين مسار الحركة التحررية والقيادة حقيقة أن منهج الكوردايتي يعبر عن تجربة حية تستمد من حكمة القيادة وعمق التضحيات.
ومع حلول الذكرى الثمانين لِهذا التحول المفصلي، يستحضر الحزب ثمانية عقود من الممارسة النضالية المتواصلة بأبعادها المسلحة والسياسية والدبلوماسية والثقافية، بدءاً من ثورة أيلول (1961) التي انتزعت اتفاقية 11 آذار 1970 للاعتراف بالحكم الذاتي، مروراً بثورة گولان (1976) وإعادة التكيف الإستراتيجي، وصولاً إلى انتفاضة عام 1991 والتأسيس لقيام برلمان وحكومة إقليم كوردستان عام 1992.
وتتحدد فلسفة وجود الحزب في استمداد شرعيته من القاعدية الجماهيرية، فيما تمثل قوات البيشمركة البنية الدفاعية والعقائدية التي تؤكد أن حماية الأرض جزء أصيل من فلسفة الكرامة الإنسانية، وهو ما تجسد في محطة استفتاء 2017 التاريخية كـمبدأ مبدئي لتقرير المصير.
واستناداً إلى رؤيته كمحرك للاستقرار والتنمية وتحويل النضال إلى بناء المؤسسات والحكم الرشيد، يطرح الحزب نموذجاً قوامه التعايش والتعددية وحماية حقوق الأقليات، بينما يرتكز خطابه السياسي تجاه الحكومة الاتحادية في بغداد على الشراكة الحقيقية وفق الأطر الدستورية، وترسيخ النظام البرلماني الفيدرالي، والتداول السلمي للسلطة، وصيانة حقوق المكونات كافة من التركمان والكلدان والآشوريين والأرمن. وعلى الصعيد القومي، يعمل الحزب على تعزيز التنسيق مع الجاليات والقوى الديمقراطية، وتدويل القضية الكوردية، وتطبيق المادة 140 الدستورية لمعالجة واقع المناطق المقتطعة.
أما إقليمياً ودولياً، فيتبنى الحزب مبدأ العلاقات المتوازنة القائمة على المصالح المشتركة، والانفتاح الدبلوماسي القنصلي، والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وصولاً إلى السعي لنيل صفة مراقب في المنظمات الدولية لتعزيز الحماية القانونية ضد جرائم الإبادة الجماعية.
وفي هذا الأفق الفينومينولوجي المعاش، لا يبدو تزامن ميلاد الرئيس مسعود بارزاني مع لحظة التأسيس مجرد مصادفة زمانية في التاريخ القومي، بل يتجلى كرمزية وجودية تلتقي فيها ولادة الذات القيادية مع ولادة المؤسسة، حيث تحول ميلاد القائد إلى مسار حياتي تجسدت فيه تجربة البقاء والحرية، غدت فيه شخصية البیشمەرگە ماهية وفلسفة وجود سابقة على أي لقب سياسي.
ومن هذا المنطلق، يرتقي نهج الرئيس بارزاني ليغدو فينومينولوجيا للكرامة وللوعي بالذات، تجربة معاشة برهنت عبر صيرورتها التاريخية أن القيادة في حركة التحرر القومي ليست مجرد ممارسة سياسية عابرة، بل هي حراسة أنطولوجية دائمة لماهية الكينونة الكوردية، وتجل مستمر يحول جمر المقاومة ووعي الرفض إلى صرح مؤسسي زاهر، يستعيد فيه الإنسان الكوردي كينونته المعذبة ويعيد ابتكار ذاته الحرة متطلعاً نحو اللانهائي من أفق المستقبل.