قاسم العلي
مستشار مالي واقتصادي
كوردستان العراق.. حين تغيّر الزيارة الأولى الصورة كاملة
تجربة سعودية في أربيل تكشف فرصاً استثمارية وسياحية تستحق أن يلتفت إليها الخليج
ترددتُ كثيراً قبل اتخاذ قرار زيارة إقليم كوردستان، لكونها زيارتي الأولى إلى العراق عموماً؛ إذ كنت أحمل في مخيلتي تصوراً نمطياً بأنني سأزور منطقة نائية عن ركب التطور والنهضة التنموية التي تشهدها معظم مدن العالم، سواء من حيث البنية التحتية أو الخدمات السياحية والفرص الاستثمارية.
لكن، ما إن وطأت أقدامي مطار أربيل الدولي، حتى تبددت تلك الانطباعات تماماً. فقد وجدت مطاراً حديثاً ومنظماً، يعكس مستوى التطور الذي تشهده المدينة، من حيث دقة التنظيم، وانسيابية الإجراءات، وحفاوة الاستقبال.
وخارج أسوار المطار، تضاعف إعجابي بما شاهدته من انسيابية في حركة المرور، وتطور عمراني لافت، وناطحات سحاب شُيدت وفق تخطيط حضري متناسق، يوحي بأن من وضع خريطة تطوير هذه المدينة كان يستشرف مستقبلها منذ وقت مبكر، مقدماً نموذجاً مختلفاً كلياً عما قد تحمله الذاكرة المسبقة عن المنطقة.
إن نهضة المدن تقاس دائماً بمتانة بنيتها التحتية، وما لمسته في أربيل، وما اطلعت عليه خلال لقاءاتي، يعكس بوضوح أن كوردستان لا تقف عند المكتسبات التي حققتها، بل تمضي بخطى طموحة نحو الأفضل، لتتبوأ مكانها بين المدن المتقدمة في المنطقة.
ويضاف إلى ذلك عامل الأمان والاستقرار، الذي يمثل حجر الزاوية لكل زائر ومستثمر. فالزائر هنا يلمس مستوى عالياً من الأمان والاستقرار، وسط بيئة مجتمعية مضيافة ترحب بالجميع؛ وهي ميزة مهمة قد يفتقدها المرء أحياناً حتى في بعض كبريات العواصم، مما يجعل الإقليم بيئة جاذبة للسياحة والاستثمار.
وعلى الصعيد الاقتصادي، لا يزال إقليم كوردستان أرضاً تزخر بفرص استثمارية واعدة، ولا سيما أمام المستثمرين من دول مجلس التعاون الخليجي. وما يعزز هذه الجاذبية التسهيلات الكبيرة التي تقدمها حكومة الإقليم عبر هيئة الاستثمار، وحرصها على فتح الأبواب وتذليل العقبات أمام المستثمرين العرب والأجانب.
ولعل من أبرز القطاعات الجاذبة القطاع السياحي؛ فالإقليم يتمتع بطبيعة خلابة، وشلالات، وينابيع، ومناخ يمنحه ميزة تنافسية فريدة. كما أن قربه الجغرافي من دول الخليج يجعله وجهة محتملة للسائح الخليجي الباحث عن الطبيعة والأمان وتجربة مختلفة.
ولا تقتصر الفرصة على السياحة داخل الإقليم، بل يتيح موقع كوردستان فرصة لتكامل البرامج السياحية للقادمين من المملكة ودول الخليج، بما يجمع بين زيارة المعالم التاريخية والدينية في وسط وجنوب العراق، وقضاء أوقات الاستجمام والاستمتاع بالطبيعة في ربوع كوردستان.
وبطبيعة الحال، فإن تحويل هذه الفرص إلى مشاريع ناجحة يتطلب دراسة متأنية للسوق، وفهماً دقيقاً للبيئة الاستثمارية، وبناء شراكات محلية قادرة على تحقيق قيمة مستدامة. إلا أن ما شاهدته ولمسته خلال هذه الزيارة يعزز الاعتقاد بأن الإقليم يمتلك مقومات حقيقية تستحق أن تحظى باهتمام المستثمر الخليجي.
لقد أتاحت لي هذه الزيارة، كمواطن سعودي، أن أكتشف عن قرب العديد من الفرص الاستثمارية والسياحية التي تستحق أن يلتفت إليها المستثمر والسائح الخليجي. كما كانت الزيارة نافذة للقاء عدد من المسؤولين في حكومة الإقليم، ولمست منهم حرصاً حقيقياً وترحيباً صادقاً، وهو ما عزز قناعتي بوجود فرص حقيقية تستحق الدراسة الجادة، وفتح الباب أمام التفكير في استثمارات نوعية في مجالات حيوية وواعدة.
إن كوردستان العراق اليوم تقدم تجربة ملهمة، وتفتح ذراعيها للمستقبل، وهي بحق تجربة تستحق أن يراها ويكتشفها ويشارك في نهضتها الجميع.