بيتك يا رئيس الحكومة: الجدار الشعبي للسيادة

بيتك يا رئيس الحكومة: الجدار الشعبي للسيادة
بيتك يا رئيس الحكومة: الجدار الشعبي للسيادة

في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة المشحون بالتحولات الجيوسياسية، لم يكن الـ17 من أغسطس مجرد تاريخ عادي في أربيل، بل كان الحدث الفاصل الذي أعاد رسم خطوط أمن المنطقة بشكل صريح، إن المستهدف بطائرتين مسيّرتين من طراز حديد-110 لم يكن مجرد مقر إقامة أو مكتب تنفيذي في بيرمام بل كان رمزيّة القرار المستقل ورأس الجهاز الاستخباري والمؤسسي الذي طالما شكّل صمام أمان لاستقرار إقليم كوردستان، لقد ظنّ مهندسو هذه الضربة أن خرق قواعد الاشتباك والتعرض لمقر رئيس الحكومـة سيبث الرعب في أروقة الحكم لكن القراءة الدقيقة لتداعيات هذا الاعتداء تكشف عكس ذلك تماماً: لقد تحولت المحاولة الإرباكية إلى انتصار معنوي وسياسي أثبت متانة الدولة، وجدد التلاحم الشعبي بطريقة لم تتوقعها دوائر التخطيط الخارجي.

الانزلاق نحو استهداف الرأس وتهاوي الردع الرمادي

تاريخياً، اعتادت الأطراف الإقليمية ووكلائها ممارسة الضغط عبر منطقة الظل من خلال استهداف المقرات الفرعية أو البنى التحتية لاقتصاد الإقليم تحت ذرائع واهية، غير أن الانتقال إلى المباشرة في التهديد واستهداف رمز القرار التنفيذي والاستخباري يكشف عن أزمة إستراتيجية لدى الجهات المنفذة، إن اللجوء لطائرات مسيّرة توربينية متطورة عبر الحدود الوطنية هو إقرار بعجز الأدوات التقليدية عن إخضاع القرار الكوردي ومحاولة يائسة لفرض معادلة الإخضاع التام التي رفضتها أربيل باستمرار.

الوحدة المؤسسية والتعرية السياسية للعدوان

كان الرهان الإقليمي ينصبّ دائماً على بيئة الاستقطاب الداخلي وإمكانية إحداث شقاق سياسي، غير أن ردود الأفعال الصارمة والجامعة التي تلت خرق 17 أغسطس شَكّلت سداً مانعاً أفشل أهداف الهجوم قبل أن تجف أدخنة المسيّرات:

مواقف قيادة الإقليم والبيت الكوردي:

وضع رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني الاستهداف في إطاره الوطني والدستوري بوصفه تصعيداً خطيراً ومرفوضاً طال المكتب الخاص لرئيس الحكومة ومقر رئاسة وكالة الحماية (باراستن) مطالباً بغداد بتحمل مسؤولياتها الدستورية.

جاء الموقف الصارم لنادي القرار السياسي وفي مقدمته نائب رئيس الحكومة السيد قوباد طالباني، الذي وصف الهجوم بـ الخرق الصارخ لسيادة العراق والمهدد المباشر للسلام، ليقطع الطريق أمام أي رهان إقليمي على إحداث انقسام بين أربيل والسليمانية.

أظهرت إدانة الاتحاد الإسلامي الكوردستاني عبر د. صلاح الدين بابكر) وتوصيفه للحدث بـالسابقة السيئة والخطيرة) أن حماية المؤسسات السيادية خط أحمر يعلو فوق التنافس الحزبي الداخلي.

الشراكة الوطنية في بغداد: صدمة الارتداد وتعرية مصدر التهديد

لم يقف التضامن مع أربيل عند حدود الاستنكار الشكلي، بل تجسد في اصطفاف وطني عراقي جامع عكس إدراكاً متزايداً بأن أمن كوردستان هو صمام أمان لسيادة العراق بأكمله، وتجلّى ذلك في ثلاثة أبعاد رئيسية:

تفكيك ذرائع الهجوم وتعرية المنفذ (مصطفى الكاظمي).. وضع رئيس الوزراء العراقي الأسبق السيد مصطفى الكاظمي النقاط على الحروف بجرأة سياسية، بتأكيده الصريح أن انطلاق الطائرات المسيرة من طراز حديد-110 جاء من داخل الأراضي الإيرانية، واعتبر أن هذا الاعتداء يمثل خرقاً صارخاً للسيادة الوطنية ومحاولة لتصدير الأزمات الإقليمية لتوريط العراق في صراعات لا تخدم مصالح شعبه.

إدانة التعدي على هيبة الدولة (تحالف السيادة).. جاء موقف تحالف السيادة برئاسة السيد سرمد الخنجر ليؤكد أن استهداف المؤسسات الرسمية في الإقليم هو عمل إرهابي وتطور مقلق يمس هيبة الدولة العراقية ككل ويشكل تهديداً مباشراً لاستقرار القوى والمكونات الوطنية.

تثبيت مبدأ الاستقرار التكاملي (تيار الحكمة الوطني).. عززت برقيات القوى الوطنية في بغداد وفي مقدمتها السيد عمار الحكيم، هذا الاصطفاف الرافض عبر اعتبار الهجوم تهديداً للسلم الأهلي والاستقرار العام مما أضفى شرعية وطنية جامعة أثبتت أن استهداف أربيل هو استهداف لمقومات الدولة العراقية برمتها.

التضامن القومي والإقليمي: حائط صَدّ عابر للحدود وتفنيد للذرائع

امتدت أصداء الاعتداء على أربيل لتحدث حراكاً سياسياً وإقليمياً شاملاً تجاوز حدود العراق، حيث التقت القوى القومية والعربية في سوريا على رفض الاستهداف وتفكيك أهدافه الإستراتيجية عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:

تفنيد التسويغ وضحد الذرائع (أحمد عوينان الجربا) ..أجهض رئيس تيار الغد السوري السيد أحمد عوينان الجربا الرواية التسويغية للهجوم، مؤكداً أن استهداف بيرمام لا يتعلق بمواجهة مصالح خارجية كما يُروّج بل هو محاولة مبرمجة لضرب النموذج الحضاري والتنموي والأمني الذي كرسته أربيل والذي بات يشكل نقيضاً موضوعياً لسياسات التأزيم والفوضى الإقليمية.

البُعد القومي الكوردي الإقليمي، المجلس الوطني الكوردي ENKS)).. عدّ المجلس الوطني الكوردي في سوريا الهجوم محاولة يائسة لتصدير الأزمات ونقل الضغوط السياسية والعسكرية إلى الخارج عبر تحويل أرض كوردستان إلى ساحة لتصفية الحسابات مشدداً على أن هذا التصعيد لن ينال من إرادة إقليم  كوردستان وقيادته في حماية مكتسباته واستقراره.

التضامن الأمني والمؤسسي (مظلوم عبدي).. نقل القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية السيد مظلوم عبدي الحدث إلى عمقه القومي والإقليمي عبر إدانته الصريحة للهجوم واصفاً إياه بـ (العمل غير الأخلاقي والاعتداء الصريح) على إرادة شعب كوردستان وعلى هيبة المؤسسات الرسمية للدولة.

الاستفتاء العفوي.. كيف حول الشارع الكوردي الترهيب إلى بيعة مؤسسية؟

إن القوة الحقيقية للدول لا تُقاس بالعتاد الأمني وحده، بل بحجم الحاضنة الشعبية التي تُسند مؤسساتها وقت الأزمات وتصنع فارق الصمود. وفي الوقت الذي سعى فيه المعتدون لإشاعة الخوف وزعزعة الثقة بالمؤسسات، أفرز الشارع الكوردي في أربيل، دهوك، السليمانية، وحلبجة ردة فعل استثنائية حسمت المشهد وأجابت على كل الرهانات الخارجية؛ حيث تحول الشعار العفوي: «كل بيت كوردي هو بيتك يا سيد مسرور بارزاني» إلى بيان تضامن سياسي وشعبي عريض. لقد أثبت المواطن الكوردي في كافة أرجاء الإقليم أن الرمزية المؤسسية لرئاسة الحكومة والمؤسسة الأمنية خط أحمر، وأن الحصانة الحقيقية للدولة تكمن في قلب العقد الاجتماعي والكرامة الوطنية التي لا تُكسر بالترهيب.

إن من يجهل جغرافية الإرادة في كوردستان، يُخطئ حتماً في اختيار أدوات أدائه السياسية والعسكرية إن النار التي أريد بها إرباك مؤسسات الحكم في بيرمام لم تزد أربيل إلا صلابة ولم تزد مؤسسات إقليم كوردستان الأمنية والعسكرية إلا يقظة وتصميماً على حماية المكتسبات الدستورية.

إن الرسالة الواضحة التي يكتبها إقليم كوردستان اليوم بدمائه وصموده وصوت أبنائه هي: إن السيادة المنسوجة بالثقة الشعبية لا تُكسر بالطائرات المسيرة وإن قيادةً تحتمي ببيوت مواطنيها قبل حصونها الأمنية لهي قيادة عصية على الانكسار، ستظل أربيل قلعة للقرار المستقل، وسيبقى كل بيت كوردي جدار صدٍّ يحمي هذه الدولة ومؤسساتها السيادية.