عبدالحميد زيباري
كاتب وصحفي
وثائق لندن السرية: كيف كشفت الدبلوماسية الكوردية محرقة «كهف دكان» عام 1969؟
في الثامن عشر من آب/أغسطس 1969، شهدت قرية «دكان» التابعة لمنطقة الشيخان/عقرة في محافظة دهوك واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصر الحديث؛ مجزرة وُصفت بأنها "هولوكوست كوردي مبكر"، حيث أُحرق وخُنق عشرات الأطفال والنساء الحوامل والشيوخ أحياءً داخل كهف صخري اتخذوه ملجأً من قصف الطائرات والمدافع.
اليوم، ومع حلول الذكرى السنوية لهذه المأساة، تكتسب الوثيقة التاريخية النادرة الصادرة باللغة الإنجليزية بعنوان «DEFENCELESS: The Death of Dakan Village in Iraqi Kurdistan» (عُزّل من السلاح: موت قرية دكان في كوردستان العراق)، والتي عُثر عليها ضمن الأرشيف الخاص بالدبلوماسي والسياسي الكوردي دارا عطار (ممثل الثورة الكوردية في بريطانيا آنذاك)، قيمة تاريخية وقانونية استثنائية؛ إذ تكشف بالأسماء والأعمار والصور كيف استطاعت القيادة الكوردية اختراق جدار الصمت الدولي وتوثيق جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان قبل عقود من جرائم الأنفال وحلبجة.
تفاصيل الجريمة: وقائع الهجوم ومحرقة الكهف (16 - 19 آب 1969)
وفقاً للتقرير الميداني المخطوط الصادر عن «اللجنة المحلية للشيخان - الحزب الديمقراطي الكوردستاني» بتاريخ 1 أيلول/سبتمبر 1969، والذي تضمنته الوثيقة:
الهجوم الشامل: في 16 آب 1969، شنت القوات الحكومية العراقية مدعومة بـ 10 آلاف من المرتزقة (الجحوش) هجوماً واسعاً على المنطقة من ثلاثة محاور: (زيبار، ونهلة، وشمكان)، واستمرت المعارك والمقاومة حتى 24 آب 1969.
كبار القادة المشاركون: قاد الهجوم وأشرف عليه كبار أركان النظام العراقي وأعضاء مجلس قيادة الثورة آنذاك، ومنهم:
سعدون غيدان (عضو مجلس قيادة الثورة).
صالح مهدي عماش (نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية).
سعيد حمو (قائد قوة الميدان).
عبد الجبار الأسدي (قائد الفرقة الرابعة).
آمر قاطع الشيخان وضباط الجيش وقوات المغاوير.
اقتحام القرية واللجوء إلى الكهف
في يوم 18 آب 1969، سقطت قرية «دكان» الواقعة على نهر الخازر. وخوفاً من نيران المدفعية وقصف الطائرات الحربية، فرّ النساء والأطفال والشيوخ العزّل إلى كهف صخري وعر في سفح الجبل للاحتماء به.
عند وصول القوات الحكومية والمرتزقة إلى محيط الكهف، عمد الضباط والمرتزقة إلى جمع الحطب وأغصان الأشجار وتكديسها عند مدخل الكهف الوحيد، ثم سكبوا مادة (الغاز / النفط / الكيروسين) وأشعلوا نيراناً هائلة، وتولى الجنود إطلاق نيران الرشاشات بكثافة نحو فوهة الكهف لمنع أي شخص من الخروج، فتعالت صرخات الأمهات والأطفال الرضّع حتى اختنقوا واحترقوا جميعاً داخل الكهف في مشهد مأساوي مروع أودى بحياة 67 مدنياً في الحال.
أرقام تشهد على همجية الإبادة
تضمنت وثيقة DEFENCELESS جدولاً دقيقاً وموثقاً بالأسماء الكاملة للضحايا الـ 67، وأعمارهم، وملاحظات حول حالتهم، مما يُبرز الطابع الإبادي للجريمة التي استهدفت الفئات الأكثر ضعفاً:
الفئة العمرية / الحالة تفاصيل من واقع الكشوفات الرسمية للوثيقة
النساء الحوامل، توثيق استشهاد 6 نساء حوامل (مثل: زليخة إبراهيم - 25 سنة، فهيمة أحمد - 35 سنة، غربية عزيز - 23 سنة، صبيحة علي - 19 سنة، فيروز صلاح - 28 سنة، أمينة عيسى - 25 سنة، إيشان إبراهيم - 34 سنة).
الرضّع وحديثو الولادة استشهاد رضع لم يتجاوزوا أسابيع وأشهراً من العمر، بينهم توائم: التوأم الذكور: إسماعيل وعصمت رسول (40 يوماً فقط). التوأم الذكور: فريق وصادق بايزيد (7 أشهر). الرضيع بشار رمضان (شهر واحد)، وحسين عبد الرحمن (شهران)، وأحمد علي (3 أشهر).
الأطفال دون سن العاشرة
أكثر من 25 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنة و5 سنوات.
كبار السن والشيوخ
استشهاد شيوخ طاعنين في السن، من بينهم: سالم محمود (90 سنة)، مريم مصطفى (80 سنة)، حويرية عيسى (80 سنة)، وحسنة إسلام (80 سنة).
ملحمة الناجين والوجه المحترق للطفل «حسن محمود»
وثّقت الصفحة الخاصة بالناجين في المنشور الإنجليزي نجاة ثلاثة أشخاص فقط من تلك المحرقة، وهم:
كُلي مصطفى (امرأة مسنة، 60 عاماً).
سليم محمود (رجل مسن، 90 عاماً).
الطفل حسن محمود (5 سنوات).
المأساة الإنسانية للطفل (صاحب الصورة التاريخية):
نشرت الوثيقة صورة مؤلمة هزت الضمير الإنساني للطفل ذي الخمس سنوات وحسب الوثيقة اسمه«حسن محمود»، وهو بين يدي رجل قروي تظهر على ملامحه الصدمة؛ حيث التهمت ألسنة اللهب وجه الطفل الصغير وشوّهت عينيه وأطرافه وفمه بصورة قاسية.
متابعة استقصائية لمصير الطفل
تُشير الشهادات الشفوية ومتابعات الباحثين إلى أن الطفل حسن عاش طفولته وشبابه حاملاً ندوب وحروق تلك المحرقة في جسده وذاكرته. وبعد انتكاسة الثورة الكوردية عام 1975 إثر اتفاقية الجزائر، اضطر حسن مع عائلته ومن تبقى من قريته إلى اللجوء إلى إيران، حيث عاش سنوات قاسية من اللجوء والمرض والمعاناة جراء التشوهات التنفسية والجسدية، ليفارق الحياة هناك في منتصف الثمانينيات، شاهداً ومكلوماً حتى آخر رمق من حياته بجريمة أحالت قريته إلى رماد.
الحراك الدبلوماسي للثورة الكوردية: شبكة الممثلين في الخارج واختراق الحصار الدولي
لم تدع القيادة الكوردية برئاسة الزعيم الراحل مصطفى بارزاني الجريمة تمر دون تدويل؛ فتحركت الماكنة الدبلوماسية للثورة في عواصم القرار العالمي لكسر التعتيم الإعلامي الصارم الذي فرضه النظام العراقي.
أرست الوثيقة شبكة الاتصال الدبلوماسي الخارجي لحركة التحرر الكوردية عام 1969:
ممثلو الثورة الكوردية في الخارج (1969)
│
┌─────────────────┬───────────────┼───────────────┬─────────────────┐
▼ ▼ ▼ ▼ ▼
المملكة المتحدة فرنسا ألمانيا السويد الولايات المتحدة
(لندن) (باريس) (ميونخ) (ستوكهولم) (سيلفر سبرينغ)
دارا عطار د. كامران بدرخان نظام الدين كايا جمال علمدار د. شفيق قزاز
الدبلوماسي دارا عطار، الذي لعب دوراً محورياً في طباعة وتوزيع هذه الوثيقة وتزويد المنظمات الحقوقية، والنواب في البرلمان البريطاني، والصحافة العالمية بالحقائق والخرائط.
وفي فرنسا قام الأمير الدكتور كامران علي بدرخان، رائد الدبلوماسية والثقافة الكوردية في أوروبا بأيصالها الى المسؤولين هناك.
الدكتور شفيق قزاز، الذي حمل ملف المجزرة إلى الأوساط الأكاديمية والسياسية الأمريكية وهيئات الأمم المتحدة.
وفي ألمانيا الغربية (ميونخ / بون)، نظام الدين كايا، إضافة إلى إدارة الحساب البنكي لصندوق الإغاثة الطبي لكوردستان في بون لجمع المساعدات الإنسانية للمصابين.
وفي السويد (ستوكهولم)، جمال علمدار، لتنسيق جهود الإغاثة في الدول الاسكندنافية.
تضمين الخارطة العسكرية وشعار "القرية التي لم تعد موجودة":
احتوت الوثيقة على خارطة طبوغرافية تفصيلية لللمناطق الكوردية في العراق تُبين بدقة موقع قرية «دكان» بين دهوك والشيخان والموصل، وكُتب تحتها تعليق ذو دلالة سياسية وإنسانية عميقة:
(القرية التي لم تعد موجودة)
"هذه مجرد حادثة واحدة في حرب من أجل البقاء القومي يخوضها كوردستان العراق منذ عام 1961.. هل يمكنك أن تفعل شيئاً حيال ذلك؟ بدلاً من الإجابة بلا، يرجى الاتصال بأقرب ممثل كوردي.
كما وجه الملا مصطفى بارزاني مذكرة رسمية عاجلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في حينه، مطالباً بلجنة تحقيق دولية في استخدام الأسلحة المحرمة وسياسة الأرض المحروقة ضد القرى الكوردية.
الأبعاد القانونية والتاريخية: الجذور المبكرة لجريمة الجينوسايد
تُعد مجزرة كهف دكان لعام 1969 وثيقة إدانة قانونية مبكرة تؤكد أن سياسة الإبادة الجماعية (Genocide) والتطهير العرقي لم تبدأ مع حملات الأنفال (1988) ولا القصف الكيماوي، بل كانت عقيدة أمنية وعسكرية ممنهجة اتبعتها الحكومات العراقية المتعاقبة ضد الشعب الكوردي:
الركن المادي للجريمة: القتل العمد الجماعي، الحرق العمد، استخدام مواد حارقة خانقة، واستهداف ملاجئ المدنيين العزل.
الركن المعنوي (القصد الجنائي): الإبادة الكلية لسكان القرية ومحو وجودها الجغرافي والسكاني بدوافع شوفينية وانتقامية.
المسؤولية القيادية المباشرة: حضور كبار أعضاء مجلس قيادة الثورة والوزراء (عماش، غيدان، حمو) في الميدان يعكس قراراً سياسياً وعسكرياً عليا بالإبادة وليس تصرفاً فردياً.
دلالة الأرشيف وواجب العدالة
إن العثور على هذه الوثيقة النادرة في مكتبة وأرشيف المناضل والسياسي الكوردي دارا عطار لا يمثل مجرد استذكار لحدث تاريخي أليم، بل هو استحضار لمعركة دبلوماسية ووثائقية خاضها الساسة الكورد لإبقاء جذوة القضية حية أمام الرأي العام العالمي.
إن الذكرى السنوية لمحرقة «كهف دكان» تضع البرلمان العراقي، والحكومة الاتحادية، والمحاكم المختصة والمنظمات الدولية أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لإدراج مجزرة دكان رسمياً ضمن جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردي، وإنشاء نصب تذكاري ومتحف يخلد أسماء أولئك الضحايا الـ 67، كشاهد حي على تضحيات شعب لم تكسر عزيمته المحارق ولا نيران الإبادة.