د. سامان شالي
محلل سياسي واقتصادي
هل للعراق سيادة أم لا؟
السيادة هي حجر الزاوية في بناء الدولة لأي بلد مستقل. وتُعدّ السيادة مبدأً أساسياً في العلاقات الدولية، إذ تُشير إلى الحق الكامل والسلطة المطلقة لهيئة الحكم على نفسها، بمعزل عن أي تدخل خارجي. ورغم الاعتراف الرسمي بالعراق كدولة ذات سيادة، إلا أنه يواجه تحديات جسيمة تهدد سيادته. ولكي تكون الدولة ذات سيادة، يجب أن تسيطر على أراضيها وشعبها وحكومتها، وأن تكون قادرة على إقامة علاقات دبلوماسية وعسكرية دون أي تأثير خارجي.
وتُقدّم حالة العراق مثالاً معقداً للسيادة في العالم المعاصر، لا سيما في ظل التدخلات الأجنبية والصراعات الداخلية والمصالح الجيوسياسية. وقد حوّل الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران العراق إلى ساحة حرب بالوكالة، مما قوّض استقلاله وكشف هشاشة نظامه السياسي. تتناول هذه المقالة مسألة ما إذا كان العراق يمتلك سيادة، ولماذا فقدها أو كافح للحفاظ عليها.
سيادة العراق: منظور تاريخي
تأسس العراق، كدولة حديثة، عقب انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، ورُسمت حدوده من قِبل القوى الاستعمارية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، بموجب اتفاقية سايكس بيكو. ومنذ البداية، كانت سيادة العراق مقيدة بعوامل داخلية وخارجية، حيث شكّل النفوذ البريطاني مؤسساته السياسية الأولى.
بعد حصول العراق على استقلاله الرسمي عام 1932، شابت سيادته حالة من عدم الاستقرار الداخلي والضغوط الخارجية. أُطيح بالنظام الملكي، الذي أُسس تحت النفوذ البريطاني، عام 1958، مما أدى إلى العديد من الانقلابات والتغييرات السياسية. حاول حزب البعث، الذي وصل إلى السلطة عام 1968، ترسيخ سيادة العراق من خلال القومية والسيطرة المركزية بقيادة صدام حسين. إلا أن الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وحرب الخليج (1990-1991) أضعفتا العراق بشكل كبير، مما أدى إلى فرض عقوبات دولية وتراجع سيادته.
غزو عام 2003 وفقدان السيادة
كانت الضربة الأقوى لسيادة العراق في عام 2003، عندما قادت الولايات المتحدة تحالفًا لغزو العراق، مُبررةً ذلك بضرورة القضاء على أسلحة الدمار الشامل وإزاحة صدام حسين من السلطة. شكّل هذا الغزو، الذي نُفّذ دون موافقة مجلس الأمن الدولي، انتهاكًا صارخًا لسيادة العراق. أعقب الغزو تفكيك الحكومة والجيش العراقي، مما أدى إلى فراغ في السلطة أغرق البلاد في الفوضى. حكمت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة الولايات المتحدة، العراق لأكثر من عام، كادت خلالها السيادة العراقية أن تكون معدومة. وزاد من تآكل سيادة العراق فرض دستور جديد، وإعادة هيكلة الحكومة، وإنشاء قوات أمنية خاضعة لسيطرة أجنبية.
تحديات السيادة في العراق ما بعد الغزو
1. النفوذ والتدخل الأجنبي: على الرغم من انتقال السلطة رسميًا إلى حكومة عراقية عام 2004، إلا أن العراق كافح لاستعادة سيادته الكاملة بسبب استمرار النفوذ والتدخل الأجنبي. وقد حدّ وجود القواعد العسكرية الأمريكية، والضغوط الدبلوماسية، والتبعية الاقتصادية من قدرة العراق على التصرف باستقلالية على الساحة الدولية.
بالإضافة إلى ذلك، أدى هذا إلى صعود النفوذ الإيراني: فقد استغلت إيران الفراغ، ووطدت علاقاتها مع الميليشيات والأحزاب السياسية، وعززت وجودها في الهياكل السياسية والأمنية العراقية. كما أنشأت العديد من الوكلاء الموالين لها، مما أدى إلى انتشار الأسلحة غير المشروعة اليوم.
2. الصراعات الداخلية والطائفية: تأثرت سيادة العراق أيضاً بالصراعات الداخلية، ولا سيما العنف الطائفي بين الجماعات الشيعية والسنية، فضلاً عن التوترات العرقية التي تشمل الكورد. وقد أظهر صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2014، الذي سيطر على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، مدى فقدان الحكومة العراقية السيطرة على أراضيها. وأدى صعود داعش إلى إنشاء جيش الحشد الشعبي خارج سيطرة وزارة الدفاع. ورغم هزيمة داعش في نهاية المطاف، إلا أن نجاحه الأولي أبرز هشاشة سيادة العراق، مما زاد من ضعفها بوجود جيشين حتى الآن.
3. الصراع الأمريكي الإيراني الحالي على الأراضي العراقية
الحرب بالوكالة: تستهدف الميليشيات المدعومة من إيران القواعد الأمريكية في العراق، بينما تردّ الضربات الأمريكية على هذه الجماعات. وقد شلّ هذا الوضع الحكومة: إذ تكافح بغداد لفرض سيطرتها، وغالبًا ما تُهمّش في ظل سعي واشنطن وطهران لتحقيق مصالحهما الخاصة. كما تأثر المدنيون: يتحمل العراقيون العاديون وطأة عدم الاستقرار والاضطراب الاقتصادي وانعدام الأمن.
4. التبعية الاقتصادية:
يعدّ اقتصاد العراق، الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على صادرات النفط، عاملًا آخر يُقيّد سيادته. فاعتماد البلاد على الأسواق الدولية وتأثير أسعار النفط العالمية على اقتصادها جعلها عرضةً للضغوط الخارجية. علاوةً على ذلك، فإنّ تفشي الفساد وسوء إدارة ثروات العراق حال دون تمكّن الحكومة من ممارسة سيطرة فعّالة على مواردها، مما زاد من إضعاف سلطتها السيادية.
لماذا فقدت العراق سيادتها؟
1. الوجود العسكري الأجنبي: لا تزال قوات التحالف متمركزة في العراق، مما يحد من استقلالية بغداد.
2. قوة الميليشيات: تعمل الجماعات المدعومة من إيران خارج سيطرة الدولة، مما يقوض السلطة الوطنية.
3. الضغوط الجيوسياسية: يضطر قادة العراق إلى الموازنة بين واشنطن وطهران، مما يترك مجالاً ضيقاً لسياسة مستقلة.
4. الدستور: أدى فشل الحكومة في تطبيق جميع بنود الدستور إلى تقويض استقرار العراق.
الوضع الراهن لسيادة العراق
حتى اليوم، لا تزال سيادة العراق مفهوماً هشاً ومتنازعاً عليه. فبينما يعترف القانون الدولي بالعراق دولةً ذات سيادة، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً. إذ لا تزال جهات فاعلة غير حكومية، وقوى إقليمية، وانقسامات داخلية، تُشكّل تحدياً لسلطة الحكومة. وقد أحرز العراق تقدماً في إعادة بناء مؤسساته وفرض سيطرته على أراضيه. إلا أن العنف المستمر، وعدم الاستقرار السياسي، والتحديات الاقتصادية، وانتشار الأسلحة غير الخاضعة للرقابة، وعدم تطبيق الدستور، غالباً ما تُقوّض هذه الجهود.
الخلاصة
يحتفظ العراق بسيادته الشكلية، لكنه يفتقر إلى السيادة الفعلية. فقد أدى مزيج من التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية والتبعية الاقتصادية إلى تقويض سيادة العراق. ورغم اتخاذ البلاد خطوات لاستعادة استقلالها، فإن إرث غزو عام 2003 والتأثير المستمر للقوى الخارجية لا يزالان يحدّان من سيادتها. وسيتوقف مستقبل سيادة العراق على قدرته على حل الانقسامات الداخلية من خلال تطبيق الدستور، والحد من التبعية الخارجية، وتعزيز مؤسساته السياسية، والسيطرة على الجماعات المسلحة الخارجة عن القانون. عندها فقط يمكن للعراق أن يأمل في استعادة سيادته بالكامل، والتي تآكلت على مدى عقود من الصراع والتدخل الخارجي.