الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكّل الفكر الفقهي وتطوره

الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكّل الفكر الفقهي وتطوره
الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكّل الفكر الفقهي وتطوره

 حين يدرس المؤرخ تاريخ الأمم الإسلامية، يلاحظ أن كثيرًا من الشعوب التي دخلت الإسلام لم تكتف باعتناقه بوصفه دينًا، وإنما أعادت إنتاجه ضمن خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، حتى أصبح لكل أمة لونها المميز في الفقه أو العقيدة أو الحياة الروحية. فليس من قبيل المصادفة أن يقترن تاريخ إيران الحديثة بالتشيع الإمامي، وأن يقترن تاريخ الأناضول والدولة العثمانية بالمذهب الحنفي والعقيدة الماتريدية، وأن يبقى المغرب الإسلامي معقلًا للمذهب المالكي، كما ارتبطت بلاد اليمن إلى حد بعيد بالمذهب الزيدي والشافعي في آن واحد. 

أما الكورد، فعلى الرغم من أنهم لم يؤسسوا دولة مركزية كبرى استمرت قرونًا وفرضت مذهبًا رسميًا كما فعل الصفويون أو العثمانيون، فإنهم استطاعوا عبر مسار تاريخي طويل أن يصوغوا لأنفسهم شخصية دينية متماسكة، قوامها الشافعية في الفقه، والأشعرية في الاعتقاد، والتصوف السني في السلوك، حتى غدت هذه العناصر الثلاثة جزءًا من هوية المجتمع الكوردي في معظم مناطقه طوال ما يقرب من ألف عام.

ولعل أول ما يلفت النظر في هذه الظاهرة أن اجتماع هذه المدارس الثلاث لم يكن ثمرة قرار سياسي، ولا نتيجة مرسوم سلطاني، وإنما نشأ بصورة طبيعية من خلال المدارس العلمية والزوايا الصوفية وشبكات العلماء والرحلات العلمية بين الموصل وأربيل والدينور وشهرزور والعمادية والجزيرة ورواندوز وسنندج وديار بكر والسليمانية ودمشق والقاهرة وبغداد واستنبول؛ ولهذا اكتسبت هذه الهوية ثباتًا يفوق كثيرًا من الهويات التي فرضتها الدول بقوة السلطة، لأن المجتمع نفسه هو الذي تبناها وحافظ عليها جيلاً بعد جيل.

وعندما دخلت الجيوش الإسلامية المواطن التي يقطنها الكورد، والتي كانت تمتد عبر أقاليم الجبال، وأذربيجان، وأرمينيا، والجزيرة الفراتية (ميسوبوتاميا العليا)، خلال العقدين الثالث والرابع من القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، لم تكن تلك المناطق تمثل وحدة سياسية أو إدارية واحدة، بل كانت موزعة بين نفوذ الدولة الساسانية في شرقها وجنوبها، والإمبراطورية البيزنطية في شمالها وغربها. أما المجتمع الكوردي نفسه، فلم يكن قد عرف بعد قيام كيانات سياسية كردية مستقلة، وإنما كان يتكون من تجمعات قبلية وعشائرية متفرقة، يقود كل منها رؤساء محليون يتمتعون بنفوذ متفاوت داخل مناطقهم، مع خضوعهم، بدرجات مختلفة، للسلطتين الساسانية أو البيزنطية بحسب مواقعهم الجغرافية والظروف السياسية السائدة آنذاك. 

وكان هذا التعدد السياسي يقابله تنوع ديني واضح، إذ غلبت الزرادشتية على مناطق كردستان الشرقية بحكم كونها الديانة الرسمية للدولة الساسانية، في حين انتشرت المسيحية الشرقية بمذاهبها المختلفة، ولا سيما النسطورية واليعقوبية (المونوفيزية)، في أواسط كردستان وشمالها وغربها، نتيجة اتصال تلك المناطق المباشر بالإمبراطورية البيزنطية والمراكز الكنسية في بلاد الرافدين والشام. كما استقرت جماعات يهودية في عدد من المدن والقرى الكردية منذ قرون طويلة، وترجع جذور وجودها، في جانب منه، إلى سياسة التهجير التي انتهجتها الإمبراطورية الآشورية عقب سقوط مملكة إسرائيل الشمالية (السامرة) سنة 721 ق.م، حين نُقل عدد من الأسرى إلى بلاد ميديا، التي تشكل أجزاء واسعة منها اليوم كوردستان، ثم تعزز هذا الوجود خلال العهود البابلية والفارسية اللاحقة. وإلى جانب هذه الديانات السماوية، استمرت بعض المعتقدات الإيرانية والمحلية القديمة، مثل الميثرائية وبعض صور الوثنية المحلية، في عدد من المناطق الجبلية، وإن كانت قد أخذت في الانحسار قبيل الفتح الإسلامي.

وفي ضوء هذا التنوع الديني والسياسي، فإن دخول الإسلام إلى بلاد الكورد لم يكن حدثًا عسكريًا عابرًا أو تحولًا دينيًا مفاجئًا، بل كان عملية تاريخية متدرجة امتدت قرابة قرن من الزمان. فقد بدأت بالفتوح الإسلامية التي أنهت النفوذ الساساني في معظم المناطق الكوردية، وأضعفت الوجود البيزنطي في أطرافها الشمالية والغربية، ثم أعقبتها مرحلة من الاستقرار السياسي والإداري، رافقتها حركة واسعة للدعوة الإسلامية، وإنشاء المساجد، واستقرار القبائل العربية في بعض المدن، ونشوء الأسواق ومراكز العمران الجديدة، فضلًا عن اندماج الكورد تدريجيًا في مؤسسات الدولة الإسلامية، سواء في الجيش أو الإدارة أو الحياة الاقتصادية. 

ومع نهاية القرن الثاني الهجري/الثامن الميلادي، كان الإسلام قد أصبح الدين الغالب بين غالبية القبائل والمجتمعات الكوردية، دون أن يعني ذلك اختفاء الديانات الأخرى بصورة كاملة، إذ استمرت بعض الجماعات المسيحية واليهودية بل وحتى الزرادشتية وغيرها في الوجود قرونًا عديدة، محافظة على خصوصيتها الدينية ضمن الإطار العام للدولة الإسلامية.

ومنذ تلك المرحلة المبكرة اندمج الكورد في العالم الإسلامي اندماجًا سريعًا. ويلاحظ المؤرخون أن المصادر الإسلامية في القرنين الثاني والثالث الهجريين لم تعد تتحدث عن الكورد بوصفهم جماعة تقع خارج النظام الإسلامي، وإنما بوصفهم جزءًا من الجيش والإدارة والحياة الاقتصادية للدولة. وقد أتاح هذا الاندماج للكورد أن يتحولوا خلال فترة وجيزة من سكان أطراف جبلية إلى عنصر فاعل في الحضارة الإسلامية، وهو تحول لم يكن ليحدث لولا أن الإسلام أزال كثيرًا من الحواجز بما فيها النظام الطبقي بل وحتى العرقي التي كانت سائدة في العهد الساساني بين الشعوب المختلفة، والديني والمذهبي في العهد البيزنطي بين الشعوب المختلفة على حدِ سواء.

غير أن الاندماج في الدولة الإسلامية لم يكن يعني ذوبان الكورد في غيرهم، بل بدأوا منذ القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي يظهرون كقوة علمية وسياسية. فقد نشأت إمارات كوردية متعددة، مثل: الحسنوية والهذبانية والمروانية والشدادية والروادية والعنازية، ثم ظهرت بعد ذلك إمارات: بهدينان وهكاري وبوتان وسوران وبابان وأردلان وغيرها. وكانت هذه الإمارات، على اختلاف ظروفها السياسية، تشترك في رعاية العلماء والفقهاء والمتصوفة، حتى أصبحت المدن الكوردية مراكز علمية معروفة يقصدها طلاب العلم من مختلف أنحاء المشرق الإسلامي.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا أصبح الكورد شافعية، في حين أصبح الأتراك أحنافًا، وغلب المالكية على المغرب، والتشيع على إيران في القرن السادس عشر الميلادي وتحديداً بعد عام1501 – 1502م حينما فرض الشاه اسماعيل الصفوي هذا المذهب بالقوة على الهضبة الايرانية؛ وأدى الى اعتناق قسم من الكورد لهذا المذهب؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن ردها إلى عامل واحد، وإنما إلى مجموعة من الظروف التاريخية. فقد انتشر مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150–204هـ/767–820م) في العراق والجزيرة الفراتية والشام منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي بفضل تلامذته، ولا سيما بعد أن أصبحت بغداد ودمشق والموصل ونيسابور مراكز رئيسة لتدريس المذهب. وكانت البلاد الكوردية تقع جغرافيًا بين هذه الحواضر، فكان من الطبيعي أن تنتقل إليها المدارس الشافعية مع العلماء والقضاة والطلاب، بحكم الموقع الجغرافي.

كما أن الطبيعة الجبلية لكوردستان، وتعدد إماراتها، وعدم خضوعها المستمر لسلطة مركزية واحدة، جعلا انتشار المذاهب يتم عبر العلماء لا عبر الحكام. ولهذا لم تعرف كوردستان، بخلاف الأناضول في العهد العثماني أو إيران في العهد الصفوي، سياسة رسمية لفرض مذهب معين، بل كان العلماء هم الذين صنعوا الهوية المذهبية للمجتمع. ومن هنا نفهم كيف أصبحت الشافعية اختيارًا علميًا واجتماعيًا، لا نتيجة إلزام سياسي.
وقد أسهمت المدارس النظامية التي أسسها الوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي (408–485هـ/1018–1092م) في ترسيخ هذه الظاهرة؛ إذ كانت هذه المدارس تعتمد تدريس الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية، وانتشر خريجوها في أنحاء المشرق، ومن بينهم عدد كبير من العلماء الكورد. ومع مرور الزمن أصبحت الموصل وأربيل والعمادية والجزيرة (= بوتان) وشهرزور مراكز رئيسة لهذا التقليد العلمي، حتى غدا الانتساب إلى الشافعية سمة غالبة على علماء الكورد.

ومن اللافت للنظر أن الكورد لم يقتصروا على اتباع المذهب الشافعي، بل أصبحوا من أبرز أعلامه، وأسهموا في ترسيخ أصوله ونشره في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ففي القرنين السادس والسابع الهجريين/الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، برز عدد كبير من الفقهاء والمحدثين والأصوليين والمفسرين الكرد الذين تركوا مؤلفات أصبحت من كلاسيكيات التراث الإسلامي. ويأتي في مقدمتهم ابن الصلاح الشهرزوري (577–643هـ/1181–1245م)، شيخ دار الحديث الأشرفية بدمشق، وصاحب كتاب مقدمة ابن الصلاح الذي أصبح المرجع الأساسي لعلم مصطلح الحديث، وتتابعت عليه الشروح والاختصارات عبر القرون. كما اشتهر ابن خلكان (608–681هـ/1211–1282م)، الذي جمع بين الفقه والقضاء والأدب والتاريخ، وخلّف كتابه الموسوعي وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، الذي يعد من أهم مصادر التراجم في الحضارة الإسلامية.

وبرز كذلك ابن الحاجب (570–646هـ/1174–1249م)، الذي تذكر طائفة من المصادر أن أسرته كانت ذات أصل كردي، وقد عُدَّ من كبار أئمة أصول الفقه والنحو، وظلت مؤلفاته، ولا سيما مختصر المنتهى في أصول الفقه والكافية والشافية في النحو والصرف، مقررات رئيسة في المدارس الإسلامية لعدة قرون. كما ظهر شمس الدين الأصفهاني (674–749هـ/1275–1349م)، وهو من كبار علماء الأصول والكلام، ونُسب في عدد من كتب التراجم إلى أصل كردي، وبرز في التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد.

ولم يقتصر إسهام العلماء الكورد على الفقه وأصوله، بل امتد إلى علوم الحديث والتفسير واللغة والتاريخ والقضاء، حتى أصبحت مدن أربيل وشهرزور والعمادية والموصل وديار بكر مراكز علمية بارزة يرتحل إليها الطلاب، وتتصل بشبكة المدارس في بغداد ودمشق والقاهرة. ومن ثم لم يكن هذان العالمان، أو غيرهما، استثناءً في البيئة الكوردية، بل كانوا يمثلون ذروة تقليد علمي راسخ، نشأ في أحضان المدرسة الشافعية، وأسهم في بناء المؤسسات التعليمية، وتخريج أجيال متعاقبة من العلماء، الأمر الذي يدل على أن الشافعية عند الكورد لم تكن مجرد انتماء فقهي، بل كانت إطارًا حضاريًا متكاملًا صاغ الحياة العلمية والثقافية للمجتمع الكوردي عبر قرون طويلة.

ولم يكن انتشار الشافعية بين الكورد يعني انغلاقهم على أنفسهم، بل كانوا جزءًا من الحركة العلمية الكبرى في العالم الإسلامي. فطلابهم يرحلون إلى بغداد ودمشق والقاهرة، ويعودون إلى العمادية وأربيل وشهرزور وسنندج حاملين معهم الكتب والإجازات وطرائق التدريس. ومن هنا نشأت شبكة علمية واسعة ربطت الجبال الكوردية بأكبر مراكز الحضارة الإسلامية، وهو ما يفسر استمرار هذه المدرسة قرونًا طويلة دون انقطاع.

غير أن الشافعية لم تكن وحدها التي طبعت الشخصية الدينية للكورد، إذ سرعان ما ارتبط بها اتجاه عقدي أصبح ملازمًا لها، هو الاتجاه الأشعري، حتى غدا من العسير في معظم البيئات الكوردية الفصل بين الفقيه الشافعي والمتكلم الأشعري. وستزداد هذه الظاهرة وضوحًا ابتداءً من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، حين أصبحت الأشعرية من أبرز المدارس العقدية في المشرق الإسلامي، فتشكل لدى العلماء الكورد تقليد علمي جمع بين الفقه الشافعي والتكوين الكلامي الأشعري. غير أن هذا التكوين لم يتوقف عند حدود العصور الوسطى، بل استمر وتطور في العصور اللاحقة، إذ حافظ علماء الكورد على المذهب الشافعي، وأسهموا في شرحه وتدريسه واختصاره ونظمه والتعليق على كتبه، كما ظهر بينهم عدد من الفقهاء الذين تجاوزت أعمالهم نطاق التعليم المحلي إلى المشاركة في الحياة العلمية الإسلامية الأوسع.

ومن هنا يمكن تتبع تطور الفقه الشافعي عند علماء الكورد في العصور المتأخرة، ولا سيما في كردستان العثمانية، حيث أصبحت المدارس والمساجد والخانقاهات مراكز لإنتاج المعرفة الفقهية وتداولها، وبرز علماء تركوا مؤلفات وحواشي وشروحًا في الفقه وأصوله، وأسهموا في استمرار التقليد الشافعي وتجديد أدواته العلمية. ثم اكتملت هذه المنظومة في كثير من البيئات الكوردية باقتران الفقه الشافعي بالعقيدة الأشعرية والتصوف السني، لتتبلور تدريجيًا ملامح شخصية دينية وعلمية ظلت حاضرة في كردستان إلى العصر الحديث.

ولذلك فإن تاريخ الشافعية عند الكورد لا ينتهي بتثبيت المذهب في القرون الوسطى، وإنما يبدأ منه طور آخر من التراكم العلمي، تجلى في أعمال فقهاء الكورد المتأخرين الذين حافظوا على المذهب وطوروا أدوات تدريسه وشرحه والتأليف فيه، حتى غدت المدارس الفقهية الكوردية، ولا سيما في بهدينان: دهوك -عقرة - زاخو – العمادية، وأربيل، ورواندوز، وكركوك، والسليمانية، وموكريان، وسنندج، والجزيرة، وجولميرك، وآمد، وسيرت، وغيرها من الحواضر امتدادًا حيًا للتقليد الشافعي، مع احتفاظ كل منطقة بخصوصيتها العلمية ومدارسها وشيوخها.