مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
الخليج.. ما وراء صورة قاليباف والحلبوسي
هناك صور لا تحتاج إلى تعليق طويل.
صورة محمد باقر قاليباف في بغداد، وخلفه خريطة تحمل اسم «الخليج الفارسي»، كانت واحدة منها. وبعدها بصورة أخرى، ظهر رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي أمام خريطة تحمل اسم «الخليج العربي».
قد تبدو المسألة للوهلة الأولى مجرد سجال على اسم الخليج. لكنها في السياسة لا تقاس الأمور دائماً بما يظهر في الصورة، بل بما يحيط بها من توقيت ومكان ورسائل.
قاليباف لم يكن في طهران عندما ظهرت تلك الصورة.
كان في بغداد.
وهذا وحده كافٍ لطرح السؤال: لماذا اختيرت هذه الخريطة تحديداً في هذه الزيارة؟
الخلاف على اسم الخليج قديم، ولا يحتاج إلى إعادة فتح كل دفاتره. الإيرانيون يتمسكون بتسمية «الخليج الفارسي» باعتبارها امتداداً لتاريخ طويل، والعرب يستخدمون «الخليج العربي» باعتبارها التسمية التي استقرت في الخطاب السياسي العربي الحديث.
لكن التاريخ شيء، والسياسة شيء آخر.
المشكلة اليوم أن الخليج نفسه لم يعد مجرد جغرافيا هادئة نتجادل على اسمها.
هناك حرب ومواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وهناك مضيق هرمز الذي تحول إلى واحدة من أهم أوراق الضغط في هذه المواجهة.
وهنا يصبح توقيت زيارة قاليباف أكثر أهمية.
إيران تعرف أن العراق ليس بعيداً عن هذه المعركة. العراق جارها، وله معها علاقات واسعة، لكنه في الوقت نفسه دولة ذات غالبية عربية يعتمد اقتصادها على النفط، وجزء كبير من هذا النفط يخرج عبر الخليج.
ولهذا لم يكن الحديث بين قاليباف والحلبوسي عن العلاقات الثنائية فقط.
الحلبوسي طلب من قاليباف، بحسب ما أعلن، منح العراق وضعاً خاصاً يسمح باستمرار تصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز.
وهذه ربما كانت أهم جملة في الزيارة كلها.
لأنها تضع العراق في المكان الذي يجب أن نراه فيه: دولة تخشى أن تتحول المواجهة بين الآخرين إلى أزمة داخل اقتصادها.
العراق لا يستطيع أن يتحمل إغلاق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه لفترة طويلة. النفط ليس مجرد سلعة بالنسبة للعراق؛ هو المصدر الأساسي الذي تعتمد عليه الحكومة في تمويل الدولة.
ولهذا فإن أي قرار يتعلق بالمضيق، حتى لو اتخذته طهران أو واشنطن في سياق صراعهما، ستكون له فاتورة في بغداد.
وهنا يصبح اسم الخليج جزءاً من قصة أكبر.
فمن السهل أن نتوقف عند الصورة ونقول إن قاليباف أراد تثبيت التسمية الإيرانية، وإن الحلبوسي رد بالتسمية العربية.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا تقول هذه الصور عن العراق؟
أعتقد أنها تقول إن بغداد تحاول، ولو بصعوبة، أن ترسم حدوداً بينها وبين الصراع الإقليمي.
العراق يريد علاقات جيدة مع إيران، وهذا أمر لا يمكن تجاهله جغرافياً وسياسياً واقتصادياً. لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يكون جزءاً من المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية.
وهذه معادلة صعبة. فإيران تريد من العراق أن يبقى قريباً منها في لحظة تحتاج فيها إلى عمق إقليمي وسياسي والولايات المتحدة تريد أن يبقى العراق بعيداً عن أي دور يساعد طهران في مواجهة واشنطن والعراق يريد شيئاً أبسط من كل ذلك: أن لا يدفع ثمن الحرب.
وهنا أتوقف عند الحلبوسي.
ربما كانت صورته أمام «الخليج العربي» مجرد رد سياسي على قاليباف، وربما كانت رسالة محسوبة إلى الداخل والخارج. لكن توقيتها يجعل من الصعب فصلها عن النقاش الأوسع حول هرمز والنفط وموقع العراق في هذه الأزمة.
فالعراق يستطيع أن يختلف مع إيران على اسم الخليج، لكنه لا يستطيع أن يختلف معها على أن النفط العراقي يجب أن يصل إلى الأسواق.
ويستطيع أن يحافظ على علاقاته مع واشنطن، لكنه لا يستطيع أن يسمح بأن تتحول أراضيه أو مياهه أو اقتصاده إلى ساحة مواجهة بين الطرفين.
وهنا نصل إلى أصل المشكلة.
العراق منذ سنوات يحاول الخروج من فكرة «الساحة».
الساحة هي المكان الذي تأتي إليه الصراعات من الخارج.
أما الدولة فهي التي تحدد مصالحها وتحاول أن تحميها، حتى عندما تكون محاطة بقوى أكبر منها.
وهذا الاختبار لا يتعلق فقط بالخليج.
إنه مرتبط أيضاً بملف السلاح داخل العراق، وبالنقاش حول حصره بيد الحكومة، وبمحاولة إعادة تعريف معنى القرار العراقي في السياسة الخارجية.
لذلك أجد أن صورة قاليباف والحلبوسي تستحق التوقف عندها أكثر مما تبدو عليه.
الصورة ليست المشكلة.
المشكلة فيما وراء الصورة.
خلفها الخليج.
وخلف الخليج هرمز.
وخلف هرمز النفط.
وخلف النفط اقتصاد العراق.
وخلف كل ذلك سؤال السيادة.
قد يختلف الإيرانيون والعرب على اسم الخليج لعقود أخرى، وقد تستمر الخرائط في استخدام تسميات مختلفة، لكن العراق لا يملك الوقت للدخول في معركة الأسماء بينما تتغير قواعد المنطقة من حوله.
ما يحتاجه العراق الآن ليس أن ينتصر في حرب التسمية.
ما يحتاجه أن لا يخسر في حرب المصالح.
فإذا أُغلق هرمز أو تعطلت الملاحة، لن يسأل أحد في بغداد أي اسم كان مكتوباً على الخريطة.
السؤال سيكون: كيف سيخرج النفط؟
ومن سيدفع الثمن؟
وهذه هي النقطة التي يجب أن تنتبه إليها بغداد.
المواجهة الإيرانية ـ الأمريكية ليست بعيدة عن العراق، حتى لو لم يكن العراق طرفاً فيها. ومضيق هرمز ليس قضية إيرانية فقط، لأن أي اضطراب فيه ينعكس على اقتصاد المنطقة وأسواق الطاقة، والعراق في مقدمة الدول المعرضة للتأثر.
ولهذا فإن أفضل سياسة للعراق ليست أن يختار طرفاً.
بل أن يحمي نفسه.
أن تكون علاقته مع إيران علاقة دولة بدولة.
وعلاقته مع الولايات المتحدة علاقة مصالح.
وعلاقته مع العالم العربي علاقة عمق طبيعي.
وفي كل ذلك، يبقى القرار عراقياً.
ربما لهذا السبب كانت صورة قاليباف وصورة الحلبوسي أكبر من مجرد صورتين.
الأولى تقول إن لإيران روايتها.
والثانية تقول إن للعراق روايته.
لكن الأهم من الروايتين هو ما سيحدث عندما تبدأ كلفة الصراع بالوصول إلى بغداد.
هناك، لن تكون القضية قضية اسم.
ستكون قضية دولة.
ومن يملك قرار الدولة؟