صلاح بكر
كاتب
وهم الشراكة
شهدت أدبيات الإدارة السياسية في العراق بعد عام 2003 اعتماد فلسفة "التوافق والتوازن والشراكة" كمرتكز تنفيذي وأساسي لإدارة مؤسسات الدولة الاتحادية. وتعود جذور هذا المسار إلى التفاهمات الوطنية المبكرة التي أكد عليها الرئيس مسعود بارزاني، لتكون بمثابة الشعار والمبدأ الناظم لتوزيع السلطات وإدارة الشأن العام بين جميع المكونات الأساسية للبلاد.
تتجلى هذه المفاهيم عمليةً في توزيع المناصب السيادية والعسكرية والدرجات الخاصة للوزارات كاستحقاقات انتخابية وسياسية ناتجة عن التفاهمات الوطنية والتوازنات النيابية. إلا أن إجراءات التكليف وإعادة الهيكلة الأخيرة في القيادات العسكرية والوزارية أثارت نقاشات واسعة حول مدى الالتزام بعهد الشراكة الدستورية والسياسية، وتحديداً فيما يتعلق بموقع وحقوق المكون الكوردي في هرم مؤسسات الدولة.
تضمن المادة (9/أولاً/أ) من الدستور العراقي بناء أجهزة أمنية وعسكرية تمثل جميع مكونات الشعب العراقي بصورة متوازنة ومتكافئة. وتنسحب هذه القاعدة عرفياً وقانونياً على شغل الدرجات الخاصة والمناصب التنفيذية، حيث يُفترض أن تعكس إدارة الوزارات والهيئات الاتحادية الشراكة الوطنية الفعلية بدلاً من الانفراد بالقرار أو حصر التعيينات ضمن جهة أو مكون محدد دون غيره.
تُظهر القراءة الميدانية للقرارات الإدارية الأخيرة أن التغييرات الأمنية والمدنية الأخيرة شهدت تركيزاً على شمول مكونات معينة في التكليفات الوظيفية، مقابل غياب واضح لاستحقاقات المكون الكوردي. ويرى مراقبون أن هذا الأسلوب في التعامل يمثل خروجاً عن العُرف التوافقي الذي أُسست عليه العملية السياسية، ويُرسخ ما يُوصف بـ "الكيل بمكيالين"، حيث يتم استثناء طرف رئيسي من معادلة السلطة رغم وجود استحقاقات انتخابية وتوافقية مثبتة.
في المقابل، تؤكد الجهات الحكومية أن التعيينات والتغييرات الإدارية تخضع لمعايير المهنية والكفاءة وسياقات الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد، بعيداً عن المحاصصة الضيقة. لكنّ غياب تشريعات تفصيلية تضمن التطبيق المنصف لمبدأ "التوازن الدستوري" يترك مساحة للاجتهاد التنفيذي، مما يضعف الثقة المتبادلة بين الشركاء السياسيين ويؤثر سلباً على الاستقرار العام.
إن استدامة الاستقرار السياسي والأمني في العراق تقتضي العودة الحقيقية إلى جوهر المبادئ التي أرسيت لغرض إدارة الدولة، وفي مقدمتها مبدأ الشراكة الوطنية المتكافئة والالتزام بالاستحقاقات الانتخابية لجميع المكونات. إن ضمان تمثيل المكون الكوردي وباقي أطياف الشعب العراقي في مراكز القرار الأمني والتنفيذي يسهم في تعزيز التلاحم الوطني وتجنب التهميش، بما يضمن بناء دولة المواطنة والمؤسسات على أسس دستور التوافق.