ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
أربيل والمولد النبوي: بين المجيزين والمانعين وجذوره الفاطمية في القاهرة
يُعدّ الاحتفال بالمولد النبوي من المسائل التي أثارت نقاشًا واسعًا بين علماء المسلمين، لا سيما أن هذه المناسبة لم تكن معروفة في صورتها الاحتفالية المنظمة خلال عصر النبي محمد ﷺ ولا في عصر الصحابة والتابعين، ثم ظهرت في عصور لاحقة وتطورت من صورة إلى أخرى حتى أصبحت في بعض المجتمعات الإسلامية مناسبة دينية واجتماعية وثقافية بارزة. وقد انقسم العلماء بشأنها إلى اتجاهين رئيسين: اتجاه أجازها بضوابط معينة، واتجاه منعها وعدّ تخصيص يوم من السنة للاحتفال
بمولد النبي ﷺ من المحدثات. غير أن هذا الخلاف لا يتعلق بأصل محبة النبي ﷺ وتعظيمه، وإنما يتعلق بمشروعية تخصيص يوم مولده باجتماع وطقوس دينية لم يثبت أن النبي ﷺ أو أصحابه فعلوها.
وتزداد أهمية دراسة هذه المسألة عند ربطها بتاريخ مدينة أربيل، التي ارتبط اسمها بأحد أشهر الاحتفالات بالمولد النبوي في التاريخ الإسلامي. فقد شهدت أربيل في عهد الملك المظفر أبو سعيد كوكبري، حاكمها في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي، احتفالًا واسعًا بالمولد اتخذ طابعًا جماهيريًا منظمًا، واستقطب العلماء والفقهاء والمتصوفة والأعيان وعامة الناس. ومن هنا أصبحت أربيل محطة أساسية في تاريخ تطور الاحتفال بالمولد، وإن لم تكن أول مدينة إسلامية عرفت هذه المناسبة؛ إذ سبقتها القاهرة الفاطمية التي عرفت احتفالات رسمية بالمولد في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي.
أولًا: المولد النبوي بين غياب الاحتفال في القرون الأولى وظهوره في العصور اللاحقة
لا تقدم المصادر الإسلامية المبكرة دليلًا على أن النبي ﷺ احتفل بيوم مولده، أو أن الصحابة اتخذوا يوم مولده مناسبة سنوية للاجتماع والاحتفال. وكذلك لا يظهر الاحتفال بالمولد في صورته المعروفة في عهد التابعين وأتباعهم. وهذا الأمر يمثل الأساس الذي انطلق منه العلماء المانعون، إذ رأوا أن تخصيص يوم معين من السنة بعبادة أو اجتماع ديني يحتاج إلى دليل شرعي خاص.
أما الاحتفال بالمولد بصورته التاريخية المعروفة، فقد ظهر في عصور لاحقة. وتذكر المصادر التاريخية أن الفاطميين في مصر عرفوا مجموعة من الاحتفالات المرتبطة بموالد النبي ﷺ وأهل بيته: علي بن ابي طالب وفاطمة الزهراء والحسن والحسين (رضي الله عنهم) والخلفاء الفاطميين، وأصبحت هذه المناسبات جزءًا من المراسم الرسمية للدولة في القاهرة. ومن ثم فإن نسبة «أول احتفال بالمولد» إلى أربيل على إطلاقها ليست دقيقة تاريخيًا؛ فالقاهرة الفاطمية سبقتها زمنيًا.
غير أن الاحتفال الفاطمي يختلف في طبيعته عن احتفال أربيل. فقد كان في جانب مهم منه احتفالًا رسميًا مرتبطًا بالبلاط الفاطمي والشرعية السياسية والدينية للدولة، في حين شهدت أربيل في عهد صاحبها" مظفر الدين كوكبري"( 549 – 63خهـ/1154 -1233م) انتقال المولد إلى صورة أكثر جماهيرية واتساعًا، وأصبح مناسبة يشارك فيها العلماء والصوفية والأعيان والعامة، وترافقه الولائم والصدقات والمواعظ والمدائح النبوية؛ ولذلك فإن أهمية أربيل لا تكمن في الأسبقية الزمنية، بل في تطوير نموذج جديد للاحتفال بالمولد داخل البيئة السنية.
ثانيًا: موقف العلماء المجيزين
ذهب عدد من العلماء إلى جواز الاحتفال بالمولد إذا خلا من المحرمات والمخالفات الشرعية، وكان المقصود منه تذكير المسلمين بسيرة النبي ﷺ وشمائله، والصلاة عليه، وقراءة القرآن، وإطعام الطعام، والتصدق، وتعليم الناس سيرته وأخلاقه.
ومن أبرز العلماء الذين أجازوا المولد أو رأوا فيه وجهًا من وجوه الخير ابن حجر العسقلاني(ت852/ 1449م)، وجلال الدين السيوطي(ت911هـ/1505م)، مع اختلاف عباراتهم في وصفه وتحديد شروطه. ولم يكن استدلال هؤلاء قائمًا بالضرورة على القول بأن الاحتفال سنة نبوية، وإنما على أن الاجتماع على أعمال مشروعة في أصلها يمكن أن يكون جائزًا إذا لم يصاحبه محظور شرعي.
ومن الأدلة التي استأنس بها المجيزون حديث النبي ﷺ عن صيام يوم الاثنين، حين سُئل عن صيامه فقال: «ذلك يوم وُلدت فيه». فرأى بعضهم أن في الحديث دلالة على مشروعية شكر الله على نعمة مولده ﷺ، وإن كان النبي ﷺ عبّر عن ذلك بالصيام لا بإقامة احتفال سنوي. كما استند بعضهم إلى قاعدة أن الوسائل والعادات لا تأخذ حكم العبادات المحضة، وأن الاجتماع على قراءة السيرة والصدقة وإطعام الطعام يمكن أن يكون من الأعمال المباحة أو المستحبة بحسب المقصد والمضمون.
وقد عبّر السيوطي عن هذا الاتجاه حين جعل الاجتماع للمولد، إذا اقتصر على قراءة القرآن ورواية أخبار السيرة وإطعام الطعام ونحو ذلك، من الأعمال التي يمكن أن تدخل في باب الخير، ووصف بعض صورها بالبدعة الحسنة من حيث عدم وجودها في عهد السلف مع اشتمالها على أعمال مشروعة.
وبناءً على هذا التصور، فإن الاحتفال بالمولد عند المجيزين لا يكون عبادة مستقلة جديدة، وإنما مناسبة تُستثمر في أعمال مشروعة أصلًا؛ ولذلك فإن الحكم عندهم يتغير بحسب مضمون الاحتفال: فإذا اشتمل على القرآن والسيرة والصدقة وإطعام الطعام والصلاة على النبي ﷺ، ولم يتضمن غلوًا أو محرمًا، أمكن القول بجوازه.
ثالثًا: موقف العلماء المانعين
في مقابل ذلك، رأى علماء آخرون أن تخصيص يوم مولد النبي ﷺ باحتفال سنوي لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة، ولذلك لا يجوز إدخاله في الدين. ويستند هذا الاتجاه إلى أصل التوقيف في العبادات، وإلى الأحاديث التي تنهى عن إحداث ما ليس من الدين، ومنها قوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وقوله: «وكل بدعة ضلالة».
ومن أبرز من ناقشوا هذه المسألة أبو إسحاق الشاطبي(ت 790هـ/1388م) في كتابه ( الاعتصام) وابن تيمية(ت 728هـ1328م) في كتابه ( اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم)، ثم علماء الاتجاه السلفي في العصور المتأخرة. ويرى هؤلاء أن محبة النبي ﷺ لا تحتاج إلى إنشاء مناسبة دينية جديدة، وإنما تظهر في اتباع سنته والإكثار من الصلاة عليه وتعليم سيرته والعمل بأخلاقه.
وقد ناقش ابن تيمية مسألة اتخاذ مولد النبي ﷺ موسعا ً في كتابه الانف الذكر، وأشار إلى أن السلف لم يكونوا يتخذون مولده موسمًا، مع تمييزه بين نية فاعل المولد وبين الحكم على الفعل من الناحية الشرعية. أما الاتجاه المانع في صورته المتأخرة فقد ذهب بصورة أكثر صراحة إلى أن الاحتفال بالمولد بدعة؛ لأنه تخصيص زمان معين بعمل ديني لم يثبت عن النبي ﷺ ولا أصحابه.
وعليه، فإن جوهر موقف المانعين لا يتمثل في رفض محبة النبي ﷺ أو تعظيمه، بل في رفض تحويل هذه المحبة إلى شعيرة أو موسم ديني لم يثبت في النصوص. ومن هنا يركزون على الفرق بين الأعمال المشروعة في ذاتها وبين تخصيصها بزمان وهيئة معينة على سبيل التعبد.
رابعًا: أربيل وكوكبري وتحول المولد إلى احتفال جماهيري
إذا كان الخلاف الفقهي قد نشأ أساسًا حول مشروعية تخصيص يوم للمولد، فإن تاريخ مدينة أربيل يقدم نموذجًا مهمًا لفهم كيفية تحول هذه المناسبة إلى ظاهرة اجتماعية واسعة. فقد اشتهر الملك المظفر كوكبري، حاكم أربيل، بتنظيم احتفال كبير بالمولد النبوي في أوائل القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.
وتصف المصادر التاريخية احتفال كوكبري بأنه كان واسع النطاق؛ إذ كانت تُقام الخيام، وتُهيأ الولائم، وتُوزع الصدقات والعطايا، ويجتمع العلماء والفقهاء والمتصوفة، وتلقى المواعظ، وتنشد المدائح النبوية، ويشارك عامة الناس في المناسبة. ولم يعد المولد مجرد احتفال داخل البلاط، وإنما أصبح مناسبة عامة ذات أبعاد دينية واجتماعية وثقافية.
وتكتسب أربيل أهمية خاصة بسبب ارتباط احتفالها بالحركة العلمية والأدبية. فقد قدم إليها المحدث والمؤرخ الأندلسي أبو الخطاب ابن دحية الكلبي، وشهد احتفال كوكبري بالمولد، فألف كتابه التنوير في مولد السراج المنير البشير النذير، وقدمه إلى حاكم أربيل، الأمر الذي يكشف عن العلاقة بين الاحتفال بالمولد وبين إنتاج أدبي وعلمي خاص بهذه المناسبة.
وهنا تتضح أهمية أربيل في تاريخ المولد: فهي لم تكن نقطة البداية الأولى، وإنما أصبحت إحدى أهم نقاط التحول في تاريخ الاحتفال بالمولد في العالم الإسلامي السني. فبعد أن عرفته القاهرة الفاطمية في صورة احتفال رسمي، ظهر في أربيل بصورة جماهيرية واسعة، ثم انتشر هذا النموذج في عدد من البيئات الإسلامية.
خامسًا: القاهرة الفاطمية وأربيل؛ أسبقية زمنية واختلاف في الوظيفة
تساعد المقارنة بين القاهرة وأربيل على تجاوز الاعتقاد الشائع بأن كوكبري كان أول من ابتكر الاحتفال بالمولد. فالفاطميون سبقوا أربيل زمنيًا في إقامة احتفالات بالمولد في القاهرة، إلا أن طبيعة الاحتفال ووظيفته كانت مختلفة.
ففي القاهرة الفاطمية ارتبط المولد بجملة من الاحتفالات الرسمية التي شملت موالد النبي ﷺ وأهل البيت والخلفاء الفاطميين، وأدى الاحتفال وظيفة مرتبطة بالشرعية الدينية والسياسية للدولة الفاطمية. أما في أربيل فقد أخذ المولد طابعًا اجتماعيًا وجماهيريًا أوسع، وأصبح مرتبطًا بإطعام الفقراء، وإكرام العلماء، والمواعظ، والمدائح، واجتماع الناس.
ومن ثم يمكن القول إن القاهرة تمثل الأسبقية التاريخية في الاحتفال الرسمي بالمولد، بينما تمثل أربيل مرحلة مهمة في انتقاله إلى الاحتفال الجماهيري السني المنظم. وهذا التفريق ضروري حتى لا تختلط الأسبقية الزمنية بالتأثير التاريخي.
سادسًا: بين الحكم الفقهي والتطور التاريخي
يكشف تاريخ المولد في القاهرة وأربيل أن وجود الاحتفال تاريخيًا لا يحسم وحده الخلاف الفقهي حول مشروعيته؛ فالممارسة التاريخية شيء والحكم الشرعي عليها شيء آخر. فالمانعون يستندون إلى عدم ثبوت الاحتفال عن النبي ﷺ والسلف، بينما ينظر المجيزون إلى مضمون الاحتفال ومقاصده، ويجيزون ما كان منه قائمًا على أعمال مشروعة ولا يتضمن محظورات.
ومن هنا ينبغي التفريق بين ثلاثة أمور:
1- محبة النبي ﷺ وتعظيمه، وهي من أصول الدين.
2- قراءة سيرته والصلاة عليه والصدقة وإطعام الطعام، وهي أعمال مشروعة في أصلها.
3- تخصيص يوم مولده باحتفال سنوي منظم، وهي المسألة التي وقع فيها الخلاف بين العلماء.
كما ينبغي التفريق بين أصل الاحتفال وبين الممارسات التي قد تصاحبه؛ فالغلو في مدح النبي ﷺ، أو نسبة خصائص إلهية إليه، أو الإسراف، أو بعض الممارسات المخالفة للشريعة، لا يمكن تبريرها بمجرد كونها جزءًا من احتفال بالمولد. وفي المقابل، فإن وجود بعض الممارسات المرفوضة في بعض الاحتفالات لا يعني بالضرورة أن كل صورة من صور الاجتماع لقراءة السيرة أو إطعام الطعام تأخذ الحكم نفسه.
خاتمة
يتضح من العرض التاريخي والفقهي أن الاحتفال بالمولد النبوي مرّ بمراحل متعددة، ولم يظهر في صورة واحدة منذ البداية. فقد عرفت القاهرة الفاطمية الاحتفال بالمولد قبل أربيل، وهو ما ينفي القول بأن كوكبري كان أول من عرف هذه المناسبة في التاريخ الإسلامي. إلا أن أربيل في عهد الملك المظفر كوكبري اكتسبت أهمية خاصة لأنها جعلت المولد مناسبة جماهيرية واسعة، جمعت بين التذكير بالسيرة النبوية والمواعظ والمدائح وإطعام الطعام والصدقات، واستقطبت العلماء والمتصوفة وعامة الناس، وأسهمت في ترسيخ نموذج الاحتفال بالمولد في البيئة السنية.
أما من الناحية الفقهية، فقد انقسم العلماء إلى مجيزين ومانعين؛ فالمجيزون ركزوا على مشروعية الأعمال التي يتضمنها الاحتفال وعلى مقصد إظهار الفرح بمولد النبي ﷺ وتعليم سيرته. بينما ركز المانعون على مبدأ التوقيف وعدم ثبوت تخصيص يوم المولد باحتفال ديني عن النبي ﷺ أو الصحابة.
وبذلك يمكن النظر إلى أربيل بوصفها محطة مفصلية لا نقطة البداية في تاريخ المولد النبوي؛ فالقاهرة الفاطمية سبقتها في الاحتفال الرسمي، لكن أربيل أسهمت بصورة واضحة في تحويل المولد إلى احتفال جماهيري واسع في البيئة السنية. ومن هنا جاءت شهرة أربيل وكوكبري في تاريخ هذه المناسبة، وأصبح الاحتفال الذي أقيم فيها نموذجًا مركزيًا في الدراسات التي تتناول نشأة المولد النبوي وتطوره وانتشاره في العالم الإسلامي.