أنفال بادينان .. جريمة لم تُمحَ من ذاكرة كوردستان، وعدالة لم تكتمل بعد، وجرحٌ ما زال ينزف!

أنفال بادينان .. جريمة لم تُمحَ من ذاكرة كوردستان، وعدالة لم تكتمل بعد، وجرحٌ ما زال ينزف!
أنفال بادينان .. جريمة لم تُمحَ من ذاكرة كوردستان، وعدالة لم تكتمل بعد، وجرحٌ ما زال ينزف!

هناك تواريخ لا تصبح جزءًا من الماضي لأنها تبقى حيّة في ذاكرة الشعوب و25 آب واحد من هذه التواريخ في كوردستان ففي مثل هذا اليوم من عام 1988 بدأت المرحلة الأخيرة من حملة الأنفال في بادينان واستمرت حتى 6 أيلول لتترك وراءها واحدة من أبشع صفحات القمع التي ارتكبها النظام البعثي بحق الشعب الكوردي.

لم تكن أنفال بادينان مجرد عملية عسكرية بل حملة واسعة استهدفت الإنسان والأرض والقرية والهوية واستخدم فيها النظام القصف الجوي والمدفعي والأسلحة الكيميائية والاعتقال والإعدام والاختفاء القسري والتهجير وتدمير القرى وشملت الحملة مناطق واسعة من بادينان، بينها زاخو، العمادية، آكري، شيخان، سيميل ودهوك، إلى جانب عشرات المناطق والقرى الأخرى.

أن المرحلة الأخيرة من الأنفال طالت نحو 76 منطقة ودمرت و أحرقت قرابة 700 قرية فيما تعرض آلاف المدنيين للاعتقال والاختفاء والقتل والتهجير وتورد مصادر حديثة أرقامًا تقريبة تصل إلى 13,553 معتقلًا ومفقودًا للان، وأكثر من 5,000 من الذين أُعدموا واستشهدو، ونحو 60 ألف مهجّر، بينما تورد مصادر أخرى تقديرات تتجاوز 14 ألف شهيد، بينهم 3,373 امرأة و6,964 طفلًا، ونحو 1,500 مفقود ويعكس اختلاف الأرقام اختلاف طرق التوثيق، لكنه لا يغيّر حجم المأساة.

وخلف كل رقم قصة إنسان: 

أب خرج من منزله ولم يعد وأم بقيت تنتظر ابنها، وزوجة فقدت زوجها، وطفل كبر وهو يحمل صورة والده بدل أن يمسك بيده ولهذا فإن ملف المفقودين لا يزال من أكثر الملفات إيلامًا حتى اليوم فأنفال بادينان انتهت عسكريًا قبل 38 عامًا لكنها لم تنتهِ في حياة العائلات التي ما زالت تنتظر الحقيقة.

كما أن تدمير القرى لم يكن مجرد هدم للبيوت فالقرية الكوردية كانت تاريخًا وذاكرة وهوية ومجتمعًا متكاملًا ولذلك فإن استهدافها كان محاولة لقطع الصلة بين الإنسان وأرضه وقد وثقت المصادر أيضًا استهداف قرى ومناطق يسكنها أفراد من مكونات مختلفة في بادينان ما يؤكد أن آثار الجريمة تجاوزت حدود الانتماء السياسي أو الديني.

وفي هذه الذكرى، تكتسب مواقف الرئيس مسعود بارزاني أهمية خاصة فقد أكد أن الأنفال كانت جزءًا من سياسة الأرض المحروقة والتغيير الديموغرافي ومحاولة كسر إرادة شعب كوردستان مشددًا على أن إرادة الشعب في البقاء والتحرر انتصرت في النهاية، وأن الدولة العراقية تتحمل مسؤولية تعويض الضحايا وذويهم.

وفي الاتجاه نفسه، أكد رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني أن ضحايا أنفال بادينان من مختلف المكونات تعرضوا للقتل والاختطاف والتهجير وتدمير مئات القرى، وجدد التأكيد على ضرورة التعويض العادل للضحايا، وعلى استمرار حكومة الإقليم في دعم عائلات الشهداء والمؤنفلين.

إن التعويض هنا ليس منّة بل حق، حق لعائلة فقدت أحد أفرادها، وحق لناجٍ حمل آثار الجريمة طوال حياته، وحق لعائلة ما زالت تنتظر رفات مفقودها والعدالة لا تعني التعويض المالي فقط بل تعني أيضًا مواصلة البحث عن المفقودين واستخراج المقابر الجماعية، وإعادة الرفات إلى ذويها، وتوثيق شهادات الناجين، وحفظ أسماء الضحايا للأجيال القادمة.

لكن استذكار الأنفال لا ينبغي أن يكون دعوة إلى الكراهية أو الانتقام. إن أقوى رد على جرائم الماضي هو بناء دولة تحترم الإنسان، وتحمي حقوق مواطنيها، وتمنع تكرار استخدام مؤسسات الدولة ضد شعبها.

إن الاعتراف بالأنفال لا يضعف العراق بل يقويه، لأن الدولة التي تواجه ماضيها بشجاعة تكون أكثر قدرة على بناء مستقبل مستقر والوحدة الوطنية لا تُبنى بالنسيان وإنما بالاعتراف والعدالة والإنصاف.

بعد 38 عامًا، تبقى أنفال بادينان أكثر من ذكرى إنها أمانة في أعناقنا، وشهادة أمام التاريخ، ورسالة إلى الأجيال الجديدة بأن الجرائم قد تُدفن في الأرض، لكن الحقيقة لا تُدفن في الذاكرة.

لقد حاولوا اقتلاع الإنسان من أرضه، لكنهم لم يستطيعوا اقتلاع إرادته.

رحم الله شهداء أنفال بادينان وجميع شهداء كوردستان، والإنصاف لعائلاتهم، والحقيقة للمفقودين، والكرامة للناجين.

فالذاكرة ليست حقدًا، والعدالة ليست انتقامًا، وإرادة الشعوب لا تُهزم.