نجاح هيفو
كاتبة كوردية
سوريا بلا إرهاب... فهل تبدأ مرحلة الحقوق؟
حين تُرفع عن سوريا صفة ارتبطت لعقود بالعنف والإرهاب، فإن السؤال الأهم لا يجب أن يكون ماذا سيحدث في الاقتصاد، ولا كم بابًا سيُفتح أمام الاستثمار، بل ماذا سيفعل السوريون بالمساحة السياسية التي بدأت تتشكل أمامهم؟
فالخروج من دائرة التصنيف الدولي لا يكفي وحده لصناعة دولة مختلفة. الدولة تتغير عندما تتغير علاقتها بمواطنيها.
وهنا تبدأ المسألة الحقيقية.
سوريا ليست لونًا واحدًا حتى تُدار بعقلية اللون الواحد. تاريخها لم يُكتب بصوت جماعة واحدة، ولن يكون مستقبلها آمنًا إذا حاول طرف أن يختصر البلاد بهويته وحدها.
الكورد ليسوا قضية طارئة ظهرت مع الحرب، كما أن بقية المكونات ليست تفاصيل يمكن وضعها في هامش الدستور ثم استدعاؤها عند الحاجة. نحن أمام مكونات أصلية، لكل منها ذاكرة ولغة وثقافة وتجربة سياسية وحقوق تراكمت عبر عقود.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة يجب ألا تكون موسمًا جديدًا لتأجيل الحقوق.
الكورد اليوم أمام مسؤولية مختلفة: أن يحولوا تراكم المظلومية إلى مشروع سياسي، وأن يخرجوا من موقع الدفاع المستمر عن الوجود إلى موقع الشراكة في صياغة سوريا التي يريدون العيش فيها.
المطلوب ليس أن يطلب الكورد من سوريا أن تمنحهم وجودًا؛ وجودهم سابق على كل الحكومات والأنظمة.
المطلوب أن تعترف الدولة بما هو موجود أصلًا، وأن تجعل الاعتراف به جزءًا من بنائها القانوني والدستوري.
وهذا لا يخص الكورد وحدهم.
فالسريان والآشوريون والأرمن والتركمان والدروز والعلويون والمسيحيون والمسلمون وسائر السوريين، لا يحتاجون إلى شهادة من السلطة كي يصبحوا جزءًا من وطنهم.
الوطن الذي يحتاج فيه الإنسان إلى إثبات أحقيته بلغته أو ثقافته أو هويته، لم يكتمل بعد كدولة.
لذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تُقاس بما سيُكتب في الدستور، وبما سيُحمى في القانون، وبما سيصبح ممارسة يومية في مؤسسات الدولة؛ لا بما يُقال في المؤتمرات.
والكرد، تحديدًا، أمام فرصة كي تكون قضيتهم جزءًا من صياغة الحل السوري، لا ورقة تُستخدم في صراعات الآخرين.
وهذه الفرصة تحتاج إلى عقل سياسي يعرف متى يطالب، ومتى يتفاوض، ومتى يرفض، ومتى يمد اليد نحو شريك سوري آخر.
لقد علّمتنا السنوات الماضية أن السلاح يستطيع أن يغيّر مواقع القوى، لكنه لا يستطيع وحده أن يكتب عقدًا وطنيًا قابلًا للحياة.
أما الحقوق، فمكانها الطبيعي هو الدستور، والمؤسسات، والقانون، والاعتراف السياسي.
ولذلك فإن سلام سوريا القادم لا ينبغي أن يكون مجرد توقف للبنادق؛ نحتاج إلى سلام يشعر فيه الكوردي أن لغته ليست موضع شك، ويشعر السرياني أن ثقافته ليست هامشًا، ويشعر العربي أن وحدته الوطنية لا تتطلب إلغاء الآخرين.
هذه هي المعادلة التي تستحق أن نعمل من أجلها.
سوريا التي تتجه إلى الخروج من عزلتها الدولية مطالبة أيضًا بأن تخرج من عقلية الارتياب من مكوناتها.
فلا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية تخشى التنوع، ولا يمكن حماية الوحدة الوطنية بإنكار أصحاب الهويات المختلفة.
الوحدة التي تُفرض على الناس قد تصمت طويلًا، لكنها لا تصنع وطنًا. أما الوحدة التي تُبنى على الاعتراف، فتبقى حتى عندما تتغير الحكومات.
ومن هنا، فإن رفع العقوبات والتصنيفات يجب أن يكون فرصة للسوريين جميعًا كي يفتحوا ملفًا أعمق: ملف الحقوق التي تأخرت، والعدالة التي لم تكتمل، والعقد الوطني الذي لم يُكتب بعد.
الكورد ليسوا في انتظار مستقبل يُقرر لهم.
وبقية المكونات كذلك.
المستقبل السوري يجب أن يُكتب معهم، لا عنهم.
وهنا سيكون الامتحان الحقيقي: هل تستطيع سوريا أن تنتقل من دولة تطلب من مواطنيها الصمت باسم الوحدة، إلى دولة ترى في اختلافهم مصدرًا لقوتها؟
إذا حدث ذلك، لن يكون خروج سوريا من منظومة الإرهاب نهاية عزلة فقط؛ بل بداية خروجها من إرث طويل جعل المواطن يخاف من دولته أكثر مما يخاف على دولته.
وحين يصبح المواطن شريكًا في الدولة، لا مجرد تابع لها، عندها فقط يمكن القول إن سوريا بدأت طريقها الحقيقي إلى الأمان.