محمد حسن الساعدي
كاتب ومحلل سياسي
حصر السلاح...معركة الهوية والسيادة في العراق
أن مهمة حصر السلاح في العراق هو معركة طويلة ومعقدة تتجاوز حدود الأمن لتلامس جوهر الدولة نفسها،فالسلاح هنا ليس مجرد أداة قتال، بل هو لغة سياسية ورمز اجتماعي ووسيلة نفوذ إقليمي، وبالعودة قليلاً للأحداث فمنذ سقوط النظام السابق عام 2003 تشكّلت الفصائل في سياقات متعددة فبعضها حمل السلاح لمقاومة الاحتلال، وبعضها لحماية المكوّنات، وبعضها ارتبط بمشاريع إقليمية ومع مرور الوقت، أصبح هذا السلاح جزءاً من المعادلة السياسية، يفرض نفسه في البرلمان والحكومة والشارع، ويخلق شرعية موازية لشرعية الدولة.
عندما نذهب ابعد من ذلك فمن زاوية السيادة فأن الدولة العراقية تواجه سؤالاً وجودياً جوهرياً.. هل تستطيع أن تكون المرجعية الوحيدة للسلاح؟
إن حصر السلاح يعني إعادة ترسيم حدود السيادة، وإعادة تعريف من يملك الحق في استخدام القوة،ولكن في الوقت ذاته يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع قوى ترى في سلاحها ضمانة ضد التهميش أو التدخل الخارجي، وهنا يصبح المشروع اختباراً لمدى قدرة الدولة على أن تتحول من كيان متنازع عليه إلى سلطة جامعة تسيطر على اداوت القرار في الدولة.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فإن الفصائل ليست مجرد تشكيلات عسكرية، بل هي قوى تمتلك نفوذاً في البرلمان والحكومة، وتؤثر في تشكيل التحالفات والقرارات، لذلك فإن تجريدها من السلاح يوازي تقليصاً لدورها السياسي، وهو ما يفسر مقاومة هذه الخطوة فالسلاح يمنحها القدرة على فرض إرادتها، ويجعلها لاعباً أساسياً في معادلة الحكم، وان أي محاولة لحصره هي إعادة توزيع لموازين القوى داخل النظام السياسي، وهو ما يفتح الباب أمام صراع محتدم بين الدولة وعموم حملة السلاح.
فيما على المستوى الاجتماعي والرمزي، فأن السلاح في الادبيات الشعبية هو مرادف للكرامة والحماية، وان المجتمع الذي عاش عقوداً من الحروب والانقسامات لا يتخلى بسهولة عن رموزه الدفاعية، لذلك فإن أي مشروع لحصر السلاح يحتاج إلى خطاب مسؤول يضمن حقوق المجتمع بكل مكوناته،ويقدّم الدولة كبديل موثوق، لا كخصم يسلب أدوات الدفاع نجاح هذا الخطاب، وهذا الامر يتوقف على قدرة الدولة على توفير الأمن والعدالة، وإقناع الناس بأن مؤسساتها قادرة على أن تحميهم وتضمن لهم حقوقهم.
أما الموقف الإقليمي والدولي من حصر السلاح فأن الملف يتداخل مع مصالح خارجية ترى في الفصائل أدوات نفوذ داخل العراق ،لذلك فإن حصر السلاح ليس قراراً داخلياً فقط، بل هو أيضاً مواجهة مع شبكة إقليمية معقدة، لان نجاحه يعني تقليص قدرة القوى الخارجية على التأثير في الداخل العراقي، وفشله يعني استمرار العراق كساحة مفتوحة لتعدد الولاءات والتوجهات، وهنا يصبح المشروع جزءاً من معركة أوسع لإعادة تعريف موقع العراق في الإقليم، بين أن يكون دولة ذات سيادة أو ساحة لتصفية الحسابات.
إن عملية حصر سلاح هو إعلان عن هوية الدولة، فإذا نجحت الحكومة في هذا المشروع، ستفتح الباب أمام بناء دولة حديثة قادرة على فرض القانون وتوحيد القرار السياسي والعسكري، وضمان حماية الجميع من أي أستهداف داخلي او خارجي لأنها سوف تكون تحت سلطة القانون والدولة، أما إذا فشلت، فسيظل العراق أسير تعدد القوى والشرعيات المتنافسة، وسيبقى السلاح لغة السياسة الأولى.
الرؤية التحليلية تكشف أن هذا الملف ليس مجرد معركة أمنية، بل هو معركة هوية وسيادة، كما إنه اختبار لقدرة الدولة العراقية على أن تتحول من كيان متنازع عليه إلى سلطة جامعة تحتكر القوة وتعيد رسم حدود الشرعية،لذلك فإن حصر السلاح هو مشروع لإعادة صياغة الدولة، وإعادة بناء العقد الاجتماعي، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة لذلك هي معركة طويلة، لكنها في جوهرها معركة وجود، تحدد ما إذا كان العراق سيظل ساحة مفتوحة لتعدد الولاءات، أم سيصبح دولة قادرة على أن تفرض نفسها كمرجعية وحيدة للسلاح في البلاد.