شيان مهدي كانيساركي
كاتب
الوهم الإداري: عندما تستورد القوانين وتنسى البيئة
في عالم الإدارة الحديثة، أصبحت كلمات مثل الحوكمة، الجودة، المعايير الدولية، التقييم، الأداء، الشفافية، الإجراءات، والسياسات المؤسسية جزءًا أساسيًا من لغة المؤسسات. ولا شك أن كثيرًا من هذه المفاهيم ساهم في تطوير المؤسسات ورفع كفاءة العمل، خصوصًا عندما تُطبَّق في بيئة مهيأة لها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول (النموذج الإداري الناجح في بيئة معينة إلى وصفة جاهزة يُراد تطبيقها في كل البيئات)، وكأن المؤسسات والمجتمعات متشابهة، وكأن الموظف في كل مكان يفكر بالطريقة نفسها، ويملك الظروف نفسها، ويتعامل مع السلطة والقانون والمسؤولية بالطريقة نفسها.
هنا يظهر ما يمكن أن نسميه (الوهم الإداري):
الوهم الإداري هو أن يعتقد المدير أن بإمكانه إصلاح مؤسسة بمجرد استيراد مجموعة من القوانين واللوائح والنماذج الإدارية العالمية، من دون أن يسأل سؤالًا أكثر أهمية: هل البيئة التي أعمل فيها مستعدة فعلًا لهذه القوانين؟ فالقانون، مهما كان متطورًا، لا يعيش فوق الورق وحده. إنه يحتاج إلى ثقافة تحميه، وموظفين يفهمونه، وإدارة قادرة على تطبيقه، وبيئة اجتماعية ومؤسسية تتفاعل معه
عندما تصبح القاعدة أهم من الواقع:
قد يدخل مدير جديد إلى شركة أو مؤسسة محمّلًا بخبرة كبيرة، وشهادات، وتجارب من مؤسسات دولية، وربما يأتي وهو مقتنع بأنه يعرف الطريق الصحيحيبدأ بتغيير الأنظمة، ويضع لوائح جديدة، ويحدد إجراءات دقيقة، ويطلب تقارير دورية، ويطبق معايير صارمة في الحضور والأداء والتقييم، ويستعمل مصطلحات إدارية حديثة من حيث الشكل، يبدو كل شيء مثاليًا لكن بعد فترة، يبدأ السؤال الحقيقي بالظهور: هل تغيّر العمل فعلًا قد نجد أن الموظفين أصبحوا أكثر انشغالًا بالأوراق من العمل، وأن الاجتماعات ازدادت، وأن التقارير أصبحت أكثر عددًا، بينما الإنتاجية لم تتغير وهنا تتحول الإدارة إلى طقس شكلي: الجميع يلتزم بالنظام أمام المدير، لكن المؤسسة لا تتحرك إلى الأمام. المشكلة ليست دائمًا في القانون، وإنما في الفجوة بين القانون والبيئة التي يُطبَّق فيها ليست كل المجتمعات نسخة واحدة من أكبر الأخطاء الإدارية الاعتقاد بأن ما نجح في شركة أمريكية أو أوروبية أو آسيوية يمكن نقله حرفيًا إلى مؤسسة في مجتمع مختلف تمامًا كل مجتمع يمتلك ثقافته الخاصة في التعامل مع العمل، والسلطة، والوقت، والمسؤولية، والنقد، والتعاون، وحتى مفهوم المدير والموظف وهذا لا يعني أن علينا رفض التجارب العالمية أو الانغلاق عليها. على العكس، يمكن أن نتعلم منها الكثير. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين التعلّم من تجربة و نسخ التجربة: التعلم يعني أن نسأل: لماذا نجح هذا النظام هناك؟ وما الظروف التي ساعدته؟ وما الذي يمكن أن نأخذه منه؟ وكيف نعدله ليتناسب مع مؤسستنا؟ أما النسخ، فهو أن نأخذ النظام كما هو ونضعه فوق بيئة مختلفة، ثم نلوم الموظفين عندما لا ينجح
الموظف ليس رقمًا في جدول: من الأخطاء الأخرى أن تنظر بعض الإدارات إلى الموظف باعتباره مجرد رقم في نظام الموارد البشرية موظف يعمل ثماني ساعات، لديه أهداف شهرية، وتقييم سنوي، ومؤشرات أداء، ونسبة حضور، وتقارير لكن الإنسان أكثر تعقيدًا من هذه الأرقام الموظف يحمل معه ثقافته، وتجاربه، وطموحه، ومخاوفه، وعلاقاته، ونظرته إلى المؤسسة وإلى الإدارة لذلك، فإن المدي الذي يريد تغيير سلوك الموظفين عليه أولًا أن يفهم لماذا يتصرفون بهذه الطريقة ، بدل أن يكتفي بإصدار قانون جديد يمنع هذا السلوك. الإدارة الحقيقية لا تبدأ دائمًا من السؤال: ما القانون الذي يجب أن أفرضه؟ بل تبدأ من السؤال: ما المشكلة التي أريد حلها؟ ولماذا ظهرت أصلًا؟
المدير الذي يحارب البيئة: هناك مديرون يدخلون المؤسسة وهم يريدون تغيير كل شيء بسرعة يعتبرون الثقافة المحلية عائقًا، ويرون أن الموظفين غير متطورين، ويعتقدون أن الحل هو فرض نموذج إداري «حديث» عليهم لكن المدير الذي يحارب البيئة التي يعمل فيها قد يجد نفسه في نهاية المطاف يحارب المؤسسة نفسها فإذا كانت ثقافة المؤسسة لا تتقبل التغيير المفاجئ، فإن فرض عشرات الإجراءات في وقت واحد قد يؤدي إلى مقاومة صامتة وإذا كان الموظفون لا يملكون التدريب الكافي، فإن زيادة القوانين لن تجعلهم أكثر كفاءة وإذا كانت الإدارة نفسها لا تطبق القواعد على الجميع، فإن الحديث عن العدالة والحوكمة سيصبح مجرد شعارات لهذا، فإن الإدارة الناجحة ليست في كثرة القوانين، وإنما في قدرة المؤسسة على تحويل القوانين إلى سلوك يومي
الوهم الأخطر: الاعتقاد بأن الورق هو الإصلاح: قد تكون المؤسسة مليئة باللوائح والسياسات، لكنها في الواقع تعاني من سوء الإدارة قد يكون لديها دليل للموظفين، ونظام تقييم، وسياسة للحضور، ولجان، واجتماعات، ونماذج، وتقارير، ومعايير أداء، ولكن عندما نصل إلى جوهر العمل نجد أن المشكلة الأساسية لم تُحل وهنا يصبح الورق غطاءً للفشل بدل أن يكون أداة للإصلاح الإصلاح الإداري الحقيقي لا يُقاس بعدد السياسات التي تمت كتابتها، بل بما تغير في الواقع
هل أصبح الموظف أكثر إنتاجية؟
هل أصبح التواصل أفضل؟
هل انخفضت الأخطاء؟
هل أصبحت القرارات أسرع وأكثر عدالة؟
هل شعر الموظف أن النظام يساعده على العمل بدل أن يراقبه فقط؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها الإدارة
الإدارة ليست استعراضًا للمصطلحات أحيانًا يصبح المدير أسيرًا للمصطلحات الإدارية المشكلة هنا ليست في المصطلحات نفسها، وإنما في استخدامها كبديل عن الفهم. المدير القوي ليس من يعرف أكبر عدد من المصطلحات الإدارية، بل من يستطيع تحويل الأفكار المعقدة إلى ممارسات بسيطة يفهمها الجميع فإذا كان الموظف لا يفهم النظام، وإذا كان المدير لا يستطيع شرح سبب وجوده، فربما المشكلة ليست في الموظف وحده
في النهاية: متى تتحول الإدارة إلى وهم؟
تتحول الإدارة إلى وهم عندما يصبح الشكل أهم من النتيجة، والقانون أهم من الإنسان، والتقارير أهم من العمل، والمصطلحات أهم من الفهم، والنموذج المستورد أهم من الواقع المحلي ليس الخطأ أن نستفيد من التجارب العالمية وليس الخطأ أن نضع قوانين ومعايير واضحة الخطأ هو أن نعتقد أن القانون يستطيع أن ينجح وحده، بعيدًا عن الثقافة والإنسان والبيئة.
الإدارة ليست عملية نسخ ولصق:
كل مؤسسة لها تاريخها، وكل مجتمع له ثقافته، وكل فريق له تركيبته، وكل تغيير يحتاج إلى وقت ولهذا فإن المدير الذي يفرض نظامًا لا يفهم بيئته قد ينجح في شيء واحد فقط: أن يقضي سنوات طويلة في إصلاح شيء لم يكن يفهمه من البداية أما الإدارة الحقيقية، فهي أن تعرف متى تطبق القاعدة، ومتى تعدلها، ومتى تشرحها، ومتى تتراجع عنها، والأهم من ذلك كله: أن تعرف لماذا تريد تطبيقها أصلًا. فالقوانين يمكن استيرادها، والخبرات يمكن نقلها، والنماذج يمكن تقليدها، لكن البيئة لا يمكن استيرادها ومن هنا يبدأ الفرق بين الإدارة التي تصنع تغييرًا حقيقيًا، والإدارة التي تعيش داخل وهمها الخاص.