د. رضوان باديني
باحث وخبير إعلامي
أرشاك بولاديان والكورد بين صفحات التاريخ وذاكرة "رأس العين- سريي كانية"
قراءة نقدية في كتاب "الأكراد من القرن السابع إلى القرن العاشر الميلادي
تُعد الفترة الممتدة من القرن السابع إلى القرن العاشر الميلادي من أكثر المراحل حساسية وأهمية في التاريخ الكوردي؛ فهي المرحلة التي شهدت انهيار الدولة الساسانية، وقيام الدولة الإسلامية، ثم إعادة تشكيل الخريطة السياسية والدينية والثقافية للشرق الأوسط.
ومع أن هذه المرحلة تمثل منعطفاً أساسياً في تاريخ المنطقة، فإن الدراسات المستقلة التي تتناول الكورد خلالها ما تزال محدودة مقارنة بحجم الأحداث والتحولات التي شهدتها. ومن هنا تكتسب دراسة المؤرخ والمستشرق الأرمني أرشاك بولاديان أهمية خاصة، ولا سيما كتابه:
»الأكراد من القرن السابع إلى القرن العاشر الميلادي وفقاً للمصادر العربية.«
فالكتاب لا يحاول كتابة تاريخ الإسلام أو تاريخ الفتوحات العربية بصورة عامة، وإنما يركز على سؤال أكثر تحديداً: كيف عاش الكورد تلك المرحلة؟ وماذا جرى في مناطقهم سياسياً واجتماعياً ودينياً، خلال القرون الإسلامية الأولى؟
بين المصادر العربية والأرمنية والبيزنطية
اعتمد بولاديان في دراسته على عدد كبير من المصادر العربية والإسلامية، إلى جانب المصادر الأرمنية والبيزنطية، محاولاً المقارنة بينها للوصول إلى صورة تاريخية أكثر توازناً.
وهذه المقاربة المقارنة هي، في رأيي، إحدى أهم نقاط قوة الكتاب؛ لأنها لا تكتفي برواية واحدة، بل تتيح للقارئ ملاحظة نقاط الاتفاق والاختلاف بين مصادر تنتمي إلى تقاليد تاريخية وثقافية مختلفة.
لكن هذه المنهجية تطرح في الوقت نفسه إشكالية لا يمكن تجاهلها: فمعظم المصادر التي اعتمد عليها المؤلف كُتبت خارج البيئة الكوردية، وغالباً ما كان أصحابها مرتبطين بمراكز السلطة والدول والإمبراطوريات القائمة في ذلك العصر. ولذلك فإن ما نقرأه فيها يعكس، في كثير من الأحيان، نظرة الدول الحاكمة إلى الكورد أكثر مما يعكس الحياة الداخلية للمجتمع الكوردي نفسه.
وهنا ينبغي أن يكون القارئ واعياً للحدود التي تفرضها طبيعة المصادر التاريخية المتاحة.
الإسلام والكورد: عملية تاريخية لا حدثاً عابراً
من أبرز النتائج التي يمكن استخلاصها من الكتاب أن انتشار الإسلام بين الكورد لم يكن حدثاً سريعاً أو تحولاً شاملاً وقع في فترة قصيرة، وإنما كان عملية تاريخية طويلة امتدت عبر أجيال، واختلفت من منطقة كوردية إلى أخرى.
كما أن العلاقة بين الدولة الإسلامية والقوى الكوردية المحلية لم تكن محصورة في الحرب والمواجهة. فقد عرف التاريخ، إلى جانب الصراعات العسكرية، حالات من المصالحة والتحالف والتعاون والاندماج التدريجي في مؤسسات الدولة.
ويبرز الكتاب أيضاً استمرار وجود قوى وإمارات وقيادات كوردية محلية خلال تلك المرحلة، ويعرض نماذج متعددة من المقاومة المسلحة، ومن التفاهم السياسي، ومن المشاركة في الحياة السياسية والعسكرية للدول القائمة.
وهذا الجانب مهم للغاية، لأنه يبعدنا عن النظرة التي تختزل تاريخ الكورد في ثنائية مبسطة: مقاومة دائمة من جهة، أو خضوع كامل من جهة أخرى. فالتاريخ أكثر تعقيداً من ذلك، والعلاقات بين الشعوب والدول لا تسير دائماً في خط مستقيم.
ما الذي يجعل الكتاب مهماً؟
تكمن أهمية كتاب بولاديان في مجموعة من العناصر المتداخلة.
أولاً، ابتعاده نسبياً عن السرد العاطفي ومحاولته الاستناد إلى المصادر التاريخية.
ثانياً، الجمع بين مصادر تنتمي إلى تقاليد تاريخية مختلفة، الأمر الذي يسمح بإجراء المقارنة بينها.
ثالثاً، وضع الكورد في مركز الاهتمام بوصفهم فاعلاً تاريخياً، وليس مجرد هامش في تاريخ الإمبراطوريات والدول التي حكمت المنطقة.
ورابعاً، إظهار تعقيد التحولات الدينية والسياسية والاجتماعية التي شهدها الكورد خلال القرون الإسلامية الأولى، بدلاً من تقديمها في صورة مبسطة أو أحادية.
ولكن... الكتاب ليس خارج دائرة النقد ومع أهميته، فإنه لا يخلو من جوانب يمكن مناقشتها ونقدها.
فالمؤلف يعتمد بدرجة كبيرة على المصادر التاريخية التقليدية، وهي مصادر تحتاج، بطبيعتها، إلى قراءة نقدية مستمرة، خصوصاً أن كثيراً من مؤلفيها كانوا قريبين من مراكز السلطة السياسية والدينية في عصرهم.
كما أن الكتاب، بحكم طبيعة المادة التاريخية المتوفرة، لا يستطيع أن يقدم لنا صورة مكتملة عن الحياة الداخلية للمجتمعات الكوردية؛ فالمصادر المحلية الكوردية المتعلقة بهذه الفترة قليلة جداً أو مفقودة.
ومن جهة أخرى، قد يشعر القارئ بأن الأحداث السياسية والعسكرية تحتل مساحة أكبر من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهذه الأخيرة لا تقل أهمية عن السياسة والحرب في فهم التحولات التي عاشها المجتمع الكوردي.
لذلك لا ينبغي التعامل مع نتائج الكتاب بوصفها حقائق نهائية لا تقبل النقاش، وإنما باعتبارها اجتهاداً علمياً مهماً وقابلاً للمراجعة والتطوير في ضوء ما يمكن أن تقدمه الدراسات الأثرية واللغوية والتاريخية الحديثة.
كتاب مبكر في الدراسات الكوردية
صدر الكتاب في الأصل باللغة الروسية في يريفان عام 1987، بعنوان:
Курды в VII–X веках согласно арабским источникам
أي»: الكورد في القرنين السابع والعاشر وفقاً للمصادر العربية«.
ثم نُشرت له أعمال أخرى باللغة العربية، من بينها كتاب »الأكراد في المصادر العربية«، الصادر في بيروت عام 1995.
أما النسخة العربية من كتاب »الأكراد من القرن السابع إلى القرن العاشر الميلادي«، التي بين أيدينا، فتقع في 228 صفحة، وصادرة عن دار »التكوين« في دمشق للنشر والتوزيع.
وهو، في تقديري، من الأعمال التي تستحق أن تكون موضع اهتمام أكبر لدى الباحثين الكورد، خصوصاً أنه ينتمي إلى مرحلة مبكرة نسبياً من الدراسات التي حاولت تناول التاريخ الكوردي من خلال المصادر العربية.
من هو أرشاك بولاديان؟
ربما يكون اسم أرشاك بولاديان معروفاً في الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية الأرمنية أكثر مما هو معروف في الأوساط الثقافية الكوردية.
بولاديان مؤرخ ومستشرق ودبلوماسي أرمني، وُلد في رأس العين (سري كانيه) في سوريا في 15 أيار/مايو 1950. تخصص في الدراسات العربية والكوردية وتاريخ الشرق الأوسط، وحصل على الدكتوراه في التاريخ من الأكاديمية الوطنية للعلوم في أرمينيا، ثم حصل عام 1996 على درجة دكتوراه الدولة في العلوم التاريخية.
وعمل في عدد من المؤسسات العلمية والأكاديمية، من بينها جامعة يريفان ومؤسسات الدراسات الشرقية.
لكن مسيرته لم تقتصر على المجال الأكاديمي؛ فقد انتقل أيضاً إلى العمل الدبلوماسي، وشغل مناصب سفير لأرمينيا لدى سوريا، وسفيراً غير مقيم لدى الأردن، كما تولى مهمة سفير أرمينيا لدى دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم عُيّن عام 2019 سفيراً فوق العادة والمفوض لأرمينيا لدى تونس، وسفيراً لدى المغرب مع الإقامة في يريفان.
وهنا تكمن إحدى السمات اللافتة في شخصي: الجمع بين المؤرخ والدبلوماسي؛ بين البحث في الوثائق والمصادر القديمة، والتعامل مع قضايا العلاقات الدولية المعاصرة.
والأهم بالنسبة لنا ككورد أن بولاديان لم يكن دبلوماسياً فحسب، بل كان باحثاً مهتماً بالتاريخ الكوردي، ولا سيما من خلال المصادر العربية. وقد تناول في دراساته موضوعات تتعلق بالقبائل الكوردية في القرون الإسلامية الأولى، وانتشار الإسلام بين الكورد، وإمارة المروانيين، وعلاقة الكورد بالإمارات الإسلامية وغيرها.
من رأس العين إلى عالم التاريخ والدبلوماسية
ثمة مفارقة جميلة في سيرة بولاديان تستحق التوقف عندها. فالرجل الأرمني الذي وُلد في رأس العين، المدينة السورية ذات الحضور الكوردي التاريخي، أصبح لاحقاً باحثاً متخصصاً في التاريخ العربي والكوردي، ودرس المنطقة من خلال مصادرها التاريخية، ثم أصبح دبلوماسياً يمثل أرمينيا في عدد من الدول العربية.
إنها رحلة شخصية وعلمية تختصر جانباً من تعقيد تاريخ هذه المنطقة نفسها؛ منطقة تتقاطع فيها الهويات واللغات والثقافات والذاكرات، ولا يمكن فهم تاريخها من زاوية واحدة.
زيارة أربيل... وعضوية أكاديمية كوردستان للعلوم
في أيلول/سبتمبر 2021، زار بولاديان أربيل، وكانت زيارته ذات طابع علمي وثقافي، إلى جانب بعدها الدبلوماسي. وخلال الزيارة ألقى محاضرات وتحدث عن عدد من الموضوعات المتعلقة بالعلاقات التاريخية الأرمنية–الكوردية، وأصل الكورد، والدراسات الكوردية في أرمينيا، كما التقى أساتذة وطلبة في عدد من جامعات أربيل ودهوك والسليمانية.
وكان من محطات زيارته المهمة لقاؤه بأكاديمية كوردستان للعلوم في أربيل.
وفي ختام ذلك اللقاء، أعلن رئيس الأكاديمية آنذاك، الدكتور عبد الفتاح علي بوتاني، أن مجلس الأكاديمية كان قد اتخذ في 26 أيلول/سبتمبر 2021، بالإجماع، القرار رقم 13، القاضي باختيار أرشاك بولاديان عضواً فخرياً في أكاديمية كوردستان للعلوم، تقديراً لإسهاماته في التاريخ والتراث والترجمة.
ولم تكن هذه الزيارة بالنسبة لي مجرد مناسبة أكاديمية عابرة، إذ أتيحت لي فرصة الحديث معه بعد الندوة مباشرة .حين تحدث أرشاك بولاديان عن رأس العينمعي بالكُرمانجية
كان حديثنا قصيراً، لكنه بقي في ذاكرتي.
تحدثنا بالكُرمانجية، ثم انتقلنا إلى الروسية، وهي لغة تجمع بيننا من ناحية التكوين الثقافي والعلمي.
لكن ما لفتني وأثر فيّ بصورة خاصة هو أنني كنت أتحدث مع مؤرخ ودبلوماسي أرمني من مواليد رأس العين، عن طفولته وذكرياته في رأس العين، بالكُرمانجية.
في تلك اللحظة، لم يعد التاريخ بالنسبة لي مجرد صفحات في كتاب أو أسماء في وثائق قديمة. أصبح شيئاً حياً؛ ذاكرة تتحدث بصوت إنسان عاش في المكان، وحمل منه شيئاً في لغته وذاكرته.
فهو أرمني الأصل، وُلد في مدينة سورية ذات حضور كوردي عريق، وتعلم العربية والكوردية، ودرس تاريخ المنطقة ومصادرها، ثم أصبح واحداً من الباحثين الذين تناولوا التاريخ الكوردي من خلال المصادر العربية، قبل أن ينتقل إلى عالم الدبلوماسية.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل ذلك الحديث القصير يبقى عالقاً في ذاكرتي. ذاكرة لم تنتهِ بانتهاء اللقاء
لم ينتهِ التواصل تماماً بانتهاء الندوة. خلال السنوات الأولى التي تلت لقاءنا في أربيل، تبادلنا الرسائل في بعض المناسبات. كنت أرسل إليه التهاني في الأعياد والمناسبات التقليدية، وكان يرد بالمثل.
وكان ذلك التواصل يجري في الوقت الذي كان يؤدي فيه مهمته الدبلوماسية سفيراً لأرمينيا لدى تونس.
لم تكن مراسلات كثيرة، ولم تكن علاقة شخصية بالمعنى الواسع للكلمة، لكنها كانت تلك المساحة الجميلة التي يمكن أن تنشأ بين شخصين يجمعهما الاهتمام بالتاريخ واللغة والثقافة وذاكرة هذه المنطقة.
عود على بدء
إذا عدنا إلى كتاب »الأكراد من القرن السابع إلى القرن العاشر الميلادي«، فإن قيمته، في رأيي، لا تكمن في أنه يقدم لنا «الحقيقة النهائية» عن تاريخ الكورد في القرون الإسلامية الأولى، فهذا أمر لا يمكن لكتاب واحد أن يدعيه ويقيمه.
قيمته الحقيقية تكمن في أنه يفتح الباب أمام الأسئلة، ويحفز على إعادة قراءة مرحلة تاريخية شديدة الأهمية، من خلال المصادر والمقارنة والتحليل، بعيداً عن التقديس والأحكام المسبقة.
ويبقى هذا العمل من الدراسات التي يمكن أن تكون مفيدة لكل باحث في التاريخ الكوردي المبكر، مع ضرورة قراءته إلى جانب أعمال باحثين آخرين، والعودة المباشرة إلى المصادر الإسلامية والأرمنية والبيزنطية، ومقارنتها بما يمكن أن تقدمه الدراسات الأثرية واللغوية الحديثة.
أما بالنسبة لي، فقد اكتسب الكتاب معنى إضافياً يتجاوز قيمته العلمية.
فمن باحث أرمني وُلد في رأس العين، إلى مؤرخ درس الكورد من خلال المصادر العربية، إلى دبلوماسي مثّل بلاده في عواصم عربية، إلى عضو فخري في أكاديمية كوردستان للعلوم في أربيل، ثم إلى ذلك اللقاء القصير الذي جمعني به، حيث تحدثنا عن رأس العين بالكُرمانجية، وانتقلنا إلى الروسية...
تتداخل هنا صفحات الكتاب مع صفحات الذاكرة.
وربما لهذا السبب تحديداً، بقي أرشاك بولاديان بالنسبة لي أكثر من مجرد اسم على غلاف كتاب؛ فهو شخصية تختصر، بطريقة ما، شيئاً من تاريخ هذه المنطقة المتشابك، حيث يمكن للغة أن تحفظ ما تعجز الوثائق أحياناً عن حفظه، وحيث يمكن لذاكرة رجل واحد أن تفتح أمامنا باباً واسعاً على تاريخ مدينة وشعب ومنطقة بأكملها. وربما لهذه الأسباب الكثيرة والمتداخلة حصراً، قرأت الكتاب عدة مرات وكنت القى فيه متعة جديدة في كل مرة.
والتاريخ، في نهاية المطاف، ليس دفاعاً عن عقيدة، ولا إدانة لشعب؛ إنه محاولة لفهم ما حدث، ولماذا حدث، وكيف يمكن لفهم الماضي أن يجعلنا أكثر وعياً بالمستقبل.