بغداد ليست ساحة للكراهية الاعتداء على جماهير أربيل… من يحمي التآخي العراقي؟

بغداد ليست ساحة للكراهية الاعتداء على جماهير أربيل… من يحمي التآخي العراقي؟
بغداد ليست ساحة للكراهية الاعتداء على جماهير أربيل… من يحمي التآخي العراقي؟

بغداد هي مدينة السلام، وهي عاصمة العراق، وعاصمة كل العراقيين دون استثناء. هكذا يجب أن تكون بغداد، وهكذا يجب أن تبقى، لكن ما حدث خلال مباراة أربيل والقوة الجوية من اعتداء على جماهير نادي أربيل، وتحطيم سياراتهم، ورشقهم بالحجارة وضربهم بالعصي أمام أعين الشرطة، وفق ما تظهره مقاطع الفيديو المتداولة وما يرويه شهود عيان، ليس مجرد مشهد مؤسف عقب مباراة كرة قدم، بل هو مشهد خطير يستحق التوقف عنده.
فعندما تتحول مباراة رياضية إلى مناسبة للاعتداء على الناس بسبب انتمائهم القومي، فإن القضية لم تعد قضية رياضة، وإنما تصبح قضية قانون ودولة ومواطنة وأمن مجتمعي، ما حدث، إن ثبتت تفاصيله كما تظهر في المقاطع والشهادات، لا يمكن تبريره تحت أي عنوان: لا باسم التشجيع، ولا باسم الحماس الرياضي، ولا باسم الانفعال، ولا باسم المنافسة بين الأندية، ومن يعتدي على مشجع لأنه كوردي، أو يهينه بسبب هويته، لا يسيء إلى أربيل وحدها، بل يسيء إلى العراق كله.

بغداد أكبر من هؤلاء

بغداد ليست ملكاً لجماعة، ولا لطائفة، ولا لقومية، ولا لجمهور رياضي.
بغداد عاصمة العراق كله، ولهذا فإن أي اعتداء عنصري يحدث فيها يجب ألا يُنظر إليه باعتباره حادثاً عابراً يمكن نسيانه بعد انتهاء المباراة.
العراق بلد متعدد القوميات والمذاهب والثقافات، والكورد والعرب وبقية مكونات الشعب العراقي شركاء في هذا الوطن، وليس من حق أي مجموعة أن تجعل من الشارع العراقي ساحة لتصفية الأحقاد أو نشر الكراهية، إن أخطر ما في هذه الحوادث ليس الحجر الذي يُرمى، ولا السيارة التي تُحطم، ولا المشجع الذي يُضرب فقط، بل الفكرة التي تقف خلف ذلك، فإذا بدأنا نعامل العراقي على أساس كونه كوردياً أو عربياً، وإذا أصبح تشجيع نادٍ رياضي سبباً للاعتداء والإهانة، فإلى أين نريد أن نصل بهذا البلد؟

ماذا لو كان المشهد في كوردستان؟

هنا يحق لنا أن نسأل بصراحة: ماذا كان سيحدث لو تعرض مشجعون لنادٍ عربي عراقي لمثل هذا الاعتداء في كوردستان؟ الجماهير العربية التي تأتي إلى كوردستان لمتابعة مباريات فرقها أو لزيارة مدنها، وكذلك السياح والضيوف من مختلف أنحاء العراق، يجدون في كوردستان أبواباً مفتوحة واستقبالاً ومحبة وحماية.
وهذا ليس منّة من أحد على أحد، هذه هي ثقافة الضيافة الكوردية، وهذه هي أخلاق شعب يعرف معنى أن يكون الضيف عزيزاً.
ولهذا فإننا لا نريد أن نرى في بغداد صورة مختلفة عن العراق الذي نريده.
لا نريد بغداد مدينة للكراهية. لا نريد ملاعب تتحول إلى ساحات للعنصرية. ولا نريد أن تصبح الهوية القومية سبباً لضرب مواطن عراقي آخر.

الصمت هنا أخطر من الحجر

المشكلة الأكبر ليست فقط في الذين اعتدوا، بل أيضاً في أي صمت أو تقصير يسمح بتكرار هذه الأفعال.
إذا كان هناك أشخاص اعتدوا على جماهير أربيل أمام أعين القوات الأمنية، فإن السؤال المشروع هو:
أين كانت حماية الشرطة؟ ومن واجب الجهات الأمنية المختصة أن تجيب بوضوح، لا أن تترك القضية للتهدئة الإعلامية أو النسيان، القانون لا يُطبق على المواطن عندما يخرق القانون فقط، بل يجب أن يحمي المواطن أيضاً عندما يتعرض للاعتداء، وإذا كان العراق يريد فعلاً بناء دولة مؤسسات، فإن الدولة مطالبة بأن تثبت أن الشارع ليس أقوى من القانون، وأن المجموعة التي تحمل حجراً أو عصاً لا تستطيع أن تفرض إرادتها على الدولة.

الحكومة مطالبة بالتحقيق

هنا تقع المسؤولية على الحكومة العراقية، وبالأخص الأجهزة الأمنية والشرطة والجهات المختصة في بغداد.
المطلوب ليس بياناً عاماً عن أهمية الروح الرياضية، المطلوب تحقيق واضح وشفاف في ما حدث، وتحديد المسؤولين عن الاعتداء، والتحقق من جميع المقاطع المصورة وشهادات الحاضرين، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون.

إذا كان الاعتداء فردياً، فليحاسب المعتدي. وإذا كان جماعياً، فليحاسب المشاركون. وإذا ثبت وجود تقصير أمني، فيجب أيضاً تحديد المسؤولية عن هذا التقصير. الدولة القوية لا تخاف من التحقيق، والدولة العادلة لا تحمي المعتدي بسبب هويته أو انتمائه.

لا تجعلوا الرياضة وقوداً للفتن، كرة القدم يفترض أن تجمع العراقيين، لا أن تفرقهم، القميص الذي يرتديه المشجع لا يجعله عدواً، والمدينة التي يأتي منها لا تجعله أقل عراقية من غيره.
وكون المشجع كوردياً لا يعطي أحداً الحق في إهانته أو الاعتداء عليه، كما أن كون المشجع عربياً أو تركمانياً أو من أي مكون آخر لا يجعله هدفاً للكراهية.
نحن أمام مسؤولية أكبر من مباراة، نحن أمام سؤال عن نوع العراق الذي نريد أن نعيش فيه.

عراق المواطنة، أم عراق الكراهية؟عراق القانون، أم عراق الشارع؟ عراق التآخي، أم عراق التحريض؟
هذه ليست أسئلة نظرية، بل أسئلة تفرض نفسها عندما نرى مواطنين عراقيين يتعرضون للاعتداء بسبب هويتهم.

الكورد ليسوا ضيوفاً في العراق

ومن المهم أن يقال ذلك بوضوح: الكورد ليسوا ضيوفاً في العراق، كما أن العرب ليسوا ضيوفاً في كوردستان.
هذا وطن مشترك، وتاريخه صنعته مكوناته جميعاً، ومن يريد عراقاً قوياً ومستقراً، عليه أن يفهم أن كرامة المواطن الكوردي في بغداد من كرامة العراق، وكرامة المواطن العربي في أربيل من كرامة العراق.
لا يمكن أن نبني دولة موحدة بعقلية تكره أحد مكوناتها، ولا يمكن أن نتحدث عن الوحدة الوطنية بينما يسمح البعض لنفسه بإهانة مواطن بسبب قوميته.

بغداد يجب أن تكون فوق الكراهية، بغداد تستحق أفضل من هذه الصورة، تستحق أن تكون مدينة تحتضن الجميع، لا مدينة يخاف فيها المشجع من هويته.
وتستحق الشرطة فيها أن تكون حامية للمواطن، لا مجرد متفرج على الاعتداء، وتستحق الحكومة أن تتعامل مع مثل هذه الحوادث باعتبارها مسألة وطنية، لا حادثاً رياضياً ينتهي بانتهاء المباراة.
إن الاعتداء على جماهير أربيل يجب ألا يمر مرور الكرام، لأن التساهل مع الكراهية اليوم قد يجعلها أكثر جرأة غداً، الحجر الذي يُرمى على مشجع كوردي اليوم قد يتحول غداً إلى جدار بين أبناء الوطن الواحد.
وهذا الجدار يجب ألا نسمح لأحد ببنائه، بغداد عاصمة العراق، والعراق لكل العراقيين.
والكورد جزء أصيل من هذا الوطن، لهم كرامتهم وحقوقهم، كما للعرب وسائر مكونات الشعب العراقي كرامتهم وحقوقهم.
ومن هنا، فإن الرسالة يجب أن تكون واضحة:
لا للعنصرية.
لا للكراهية.
لا للاعتداء.
لا للإفلات من العقاب.
ونعم للعراق الذي تكون فيه الملاعب مكاناً للمنافسة، والمدن مكاناً للتعايش، والقانون فوق الجميع.
بغداد مدينة السلام… فلا تجعلوها مدينة للكراهية.