فلسفة الوجود الكوردي جدلية الكينونة والزمن والمكان في مواجهة العدم

فلسفة الوجود الكوردي جدلية الكينونة والزمن والمكان في مواجهة العدم
فلسفة الوجود الكوردي جدلية الكينونة والزمن والمكان في مواجهة العدم

حين يرتفع التأمل الفلسفي إلى مصاف المساءلة الكبرى للوجود، تفقد الخرائط الجغرافية جفافها المادي لتتحول الأمكنة إلى بوابات أنطولوجية ينبض فيها المعنى الخالص، وتغدو الأرض ميدان صراع أزلي بين رغبة الكينونة في الاكتمال ومساعي العدم الرامية إلى الإبادة التامة.

من هذا الأفق المتاخم لجذر الفلسفة، تتجلى التجربة الكوردية بوصفها نموذجاً حياً وفرادياً لفلسفة الانبعاث من رحم العدم، إذ لا يرتكن الوجود هناك إلى شروط البقاء البيولوجي العابر، بل يتحول إلى فعل إرادي متوقد يكسر آليات المحو الممنهج ليعلن استمرارية هويته.

يضعنا الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أمام مفهوم الوجود نحو الموت والزمن، حيث يحدد الكائن الأصيل هويته عبر وعيه بالفناء ومواجهته الحتمية للعدم. يمثل الوجود الكوردي تجسيداً للدازاين (Dasein) الملقى في تاريخ مفعم بالتحديات، فالزمن ليس مجرد تعاقب للسنوات، بل هو زمن دفاعي-وجودي يحافظ فيه على الجذور في مواجهة محاولات البتر التاريخي. 

وقد جعلت هذه المواجهة الوعي الوجودي الكوردي متشرباً بإدراك عميق لمعنى العدم، لم يمس بالعدمية، بل تحول إلى قوة دافعة للتمسك بالحياة، مؤكداً رؤية هايدغر القائلة بأن حقيقة الوجود لا تتجلى في أصفى صفاتها إلا على حافة الهاوية حين يواجه الكائن حتمية الفناء.

وفي ذات السياق الوجودي، يطرح جان بول سارتر مقولته المركزية بأن الوجود يسبق الماهية، معتبراً أن الجماعات تلقى في هذا العالم وهي مسروحة تماماً لخلق ماهيتها وهويتها عبر أفعال الاختيار الحر. 

لا يعترف الوجود الكوردي بالماهيات المفروضة قسراً، فالإصرار على التحدث باللغة الأم والحفاظ على الذاكرة الجمعية هي ممارسات حرية يومية. 

ومع تصادم الأنا بالآخر المهيمن الذي يسعى لإلغاء الذات، تمارس الكينونة الكوردية أقصى درجات الرفض الانعتاقي. 

هذا التوجه يدعمه الفيلسوف الألماني كارل ياسبرس في مفهومه عن "المواقف الحدية"، حيث يرى أن الإنسان لا يبلغ أقصى درجات وعيه بحريته ووجوده الحقيقي إلا عندما يجد نفسه وجهاً لوجه أمام الموت والتهديد الوجودي الشامل، وهو ما تجسد بأجلى صوره في مسيرة الباب العظيم والرمز الخالد مصطفى بارزاني، ذلك القائد الذي خاض نضالاً مستمراً لأكثر من نصف قرن، محولاً جبال كوردستان إلى قلاع للحرية وصانعاً بصلابته التاريخية تجسيداً عملياً لإرادة الكينونة في رفض الإفناء وتثبيت الوجود في أقسى الظروف.

وإلى جانب ياسبرس، يبرز صدى أفكار الفيلسوف الفرنسي غابرييل مارسيل حول الوجود الملموس والتجذر الروحي في الأرض، حيث تصبح الجغرافيا والجبال الشاهقة في كوردستان حاضنة أنطولوجية لا مجرد تضاريس عسكرية، بل سوراً يحمي الكينونة من الذوبان والمسح الهوياتي، ليكون الارتباط العضوي بالتراب شكلاً من أشكال المقاومة التي ترفض الاقتلاع الوجودي. 

تجلت العدمية التاريخية بأبشع صورها عبر سياسات الإبادة المنهجية كالتغيير الديموغرافي، غير أن فلسفة الوجود تثبت أن العدم يولد نقيضه، فكلما تضاعفت محاولات الإمحاء، توهجت إرادة الانبعاث. ولم تقتصر هذه الإرادة على مجرد الصمود البقائي، بل أثبتت جدارتها في إقليم كوردستان عبر بناء نموذج سياسي وإداري متماسك، والدفاع المستمر عن الحقوق المسلوبة، وحماية المكتسبات الديمقراطية والتعددية في بيئة إقليمية بالغة التعقيد، وهو ما تجلى بوضوح في الامتداد المعاصر لهذا النضال الوجودي عبر القيادة التاريخية للرئيس مسعود بارزاني، الذي واصل المسيرة بعزم لا يلين، مثبتاً المكتسبات الدستورية والسياسية للإقليم، ومحولاً الحلم الكوردي إلى كيان مؤسسي وميداني يرفض الذوبان في أتون العدم، ليغدو نضاله المستمر تجسيداً حياً لرفض الهزيمة وإصرار الكينونة على انتزاع اعتراف التاريخ بوجودها الحر.

بهذا المعنى الفلسفي الواسع، تتخطى كوردستان حدود الأزمة السياسية الطارئة لتستحيل رمزاً أنطولوجياً لإرادة الكينونة في أصفى تجلياتها، حيث يثبت التاريخ أن الأمم التي تتخذ من الزمن والمكان دروعاً لروحها، وتواجه العدم بيقين البقاء، لا يمكن أن تطالها يد الفناء. فالإنسان الكوردي، وهو يحفر وجوده في صخر الجبال ويقاوم تآكل الذاكرة، يعيد كتابة متن الفلسفة الوجودية بمداد الدم والحرية، مؤكداً أن الكينونة الأصيلة أصلب من العدم وأبقى من عاديات الزمن.