رحیل العارف الواصل والسالك الزاهد الشيخ عبدالواحد بارزاني

رحیل العارف الواصل والسالك الزاهد الشيخ عبدالواحد بارزاني
رحیل العارف الواصل والسالك الزاهد الشيخ عبدالواحد بارزاني

رحل عن عالمنا الفاني جسداً، وبقي في عالم الملكوت روحاً وسيرةً، العارف الواصل، والمتصوف السالك، ومحب العلوم الدينية والأدب الرفيع، المغفور له الشيخ عبدالواحد إبراهيم شيخ عبدالسلام بارزاني، الذي وافاه الأجل بعد عمر مبارك ناهز ثلاثة وتسعين عاماً، قضى جلها في رحاب الذكر والتقوى، ومرابطة القلب في محاريب خدمة الحق جل وعلا.
ولد الفقيد السعيد عام 1933 في كنف أسرة أشرق نورها من مشكاة النبوة والولاية، فهي العائلة البارزانية العريقة، التي لم تكن يوماً مجرد عنوان للجهاد والدفاع عن الحق فحسب، بل كانت قلعة شامخة من قلاع العرفان، وحاضنة أصيلة للطريقة النقشبندية الخالدية العلية. 

لقد رضع الشيخ عبدالواحد مع حليب الطفولة حب الله والتعلق بأستار محبته، وتتلمذ في مدرسة الروح التي تربي السالكين على الانكسار بين يدي الخالق، والتواضع للخلق، والزهد في زخارف الدنيا الفانية.
لقد حظي الراحل الكبير بصحبة مباركة لرموز العائلة الأجلاء؛ قطب العرفان والجهاد الشيخ أحمد بارزاني، والزعيم الخالد مصطفى بارزاني. وفي هذه الصحبة الزكية، تشرّب معاني الفداء واليقين، فكان بحق نموذجاً فريداً للرجل الذي يجمع بين صفاء الروح الصوفية وصلابة الموقف الإنساني والوطني. لم تكن صلتهم بالناس صلة سلطة أو استعلاء، بل كانت صلة محبة وفيض رباني، يغمرون القاصي والداني بسماحة الأخلاق وسعة الصدر، متخذين من منهج جدّهم العارف الشيخ عبدالسلام الكبير أسوةً حسنة ونبراساً منيراً.

إلى جانب مقامه العرفاني المکین، عُرف الفقيد بشغفه الكبير بالعلوم الدينية والأدب الإنساني الرفيع. كانت مجالسه مجالس ذكر وعلم، يعبق فيها شذا الآيات البينات، وتتدفق منها حكم الأولياء وأشعار العارفين الذين أفنوا أعمارهم في عشق الباري. كان يرى في الأدب مرآة لصفاء الروح، وفي العلم سلاحاً للبصيرة لا للجدل.
كم سمعناه يرتجل عن ظهر قلب تلك القطعة الأدبية الرائعة التي تحوي غرر البيان ودرره، والمنسوبة للشاعر الشيخ عبدالله البيتوشي الكوردي، والتي كان ينشدها بلغة عربية فصيحة في لقاءاته مع الصحفيين، تفيض روحه حنيناً وشجناً بأبياتها الخالدة:
إِنِّي أُحِنُّ إِلَى العِرَاقِ وَلَمْ أَكُنْ * مِنْ رَصَافَتِهِ وَلَا كَرْخِهْ 
لَكِنْ فِي بَغْدَادَ لِي مِنْ قَرَابَةٍ * أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ الشَّبَابِ وَشَرْخِهْ 
بِأَبِي الَّذِي شَوْقِي إِلَيْهِ شَوْقُ السَّقِيـ * ـمِ إِلَى الشِّفَاءِ أَوِ الظَّلِيمِ لِفَرْخِهْ 
أَوْ شَوْقُ أَعْرَابِيَّةٍ حَنَّتْ إِلَى * أِطْلَالِ نَجْدٍ فَارَقَتْهُ وَمَرْخِهْ 
قَلْبِي أَسِيرٌ عِنْدَهُ دَنِفٌ فَقُلْ * إِنْ لَمْ يَحُلْ إِسَارَهُ فَلْيُرْخِهْ
هذه النادرة، وما تبطنه من دلالات، إن دلت على شيء فإنما تدل على رفيع ذوقه وعمق وجدانه. وكثيراً ما كنا نَسعَد بسماع مناجاته وأشعاره الكوردية البليغة لكبار الشعراء أمثال أحمد خاني، وملا جزيري، وفقي طيران، فضلاً عن روائع شعراء الفرس كحافظ الشيرازي وسعدي.

إن نبوغه الشعري، وتضلعه في سائر آداب اللغات الكوردية و العربية والفارسية، واعتناقه لمفتاح كنوزها وحكمها اللامتناهية، مكنه من الإبحار في هذه العوالم ببراعة فائقة، ليتوّج ثقافته الأدبية العالية بجانب علمه الغزير وتحققه الرصين بالعلوم الإسلامية.
لقد ترجل الفارس العارف عن صهوة هذه الحياة الدنياً، مطمئناً راضياً مرضياً، ليطير بروحه الطاهرة إلى الملأ الأعلى، حيث المأوى الأبدي بجوار الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
وإننا إذ نودع الشيخ عبدالواحد بارزاني، فإننا لا نودع شخصاً فحسب، بل نودع مدرسة في العرفان، ورمزاً من رموز الطهارة الروحية التي طالما أنبتتها تربة بارزان الطاهرة. لقد حاولتُ بهذه الكلمات المتقطعة في حق العارف الكبير أن أُؤدي جزءاً يسيراً من حق هذا الرجل الفذ والشعلة الوهاجة؛ تكريماً لعلمه وعرفانه، واعترافاً بفضله، وتخليداً لذكراه العطرة.

لقد ترجل الحكيم عن صهوة الأيام، لا ليغيب، بل ليعود إلى الأصل الذي منه انحدر، فطائر الروح الذي طالما أرقّه الشوق إلى بساتين المعنى، قد حطّ رحاله أخيراً في طمأنينة المطلق، مخلّفا وراءه أثراً لا يُمحى، ونوراً يتسلل بين طيات الكلمات. 
إن أمثال هؤلاء العارفين لا يموتون، بل يتبخرون في سحب الوعي الإنساني لتمطر قلوب الحائرين غيثاً من اليقين. 
ولعل بقاء أثره المكتوب ودفاتر حكمه، نافذةً مشرعةً نحو الفجر، تضيء عتمة الدرب لكل سالك يبحث عن وجه الحقيقة في مروج الأدب والعرفان. 
عزاء الراحلين أن الجمال الذي زرعوه في الأرض لا يفنى، بل يتحول إلى طاقة أبدية تنبض في روح الذاكرة الإنسانية إلى الأبد.