جودي بارزاني
خبير هندسي
كيف تحوّلت أقدم هندسة في أربيل إلى مخطط للنمو
تأمّلات معماري في كيف لا تزال قلعة أربيل، التي يمتد عمرها إلى ستة آلاف عام، وشبكتها المتوسّعة من الطرق الدائرية المتحدة المركز، تُشكّلان ملامح التطور الحديث السريع للعاصمة.
لكل مدينة منطقها الخاص، ومعظم من يعيشون فيها لا يدركونه أبداً، أما في أربيل، فهذا المنطق واضح إلى حدّ غير مألوف، وأفضل طريقة لقراءته هي من الجو. فالعاصمة تنفتح من نقطة واحدة على شكل سلسلة من الحلقات المتحدة المركز، بدقة جعلت الطيارين والسكان على حدّ سواء يطلقون عليها اسم «مدينة العنكبوت». وفي مركز هذه الشبكة تقع القلعة، وهي تلّة من التراب المتراص والمنازل المتراكبة، سُكنت من دون انقطاع منذ ما يقارب ستة آلاف عام. وكل ما بُني في أربيل بعد ذلك لم يكن سوى استجابة لتلك التلّة.
بصفتي معمارياً، أجد في هذا أمراً نادراً يستحق التوقف عنده. فالمدن عادة تنمو بالمصادفة، منتشرة على امتداد نهر أو طريق تجاري، حتى تبدو خريطتها أشبه ببقعة منسكبة. أما أربيل فقد نمت حول فكرة ثابتة؛ إذ تمثّل القلعة خط الأساس، أي نقطة الصفر التي تُقاس منها المدينة بأكملها، ولم تتخلَّ العاصمة الحديثة عن هذا المبدأ ولو للحظة.
حين تنظر إلى المقطع العرضي لجذع شجرة، يمكنك أن تعدّ حلقاتها لتعرف عمرها. وإذا فتحت مخططاً لأربيل، يمكنك أن تفعل الأمر نفسه. فابتعاداً عن القلعة، تعبر أولاً طريق الثلاثين متراً، ثم الأربعين، فالستين، فالمئة، فالمئة وعشرين، والآن طريق المئة والخمسين متراً، وكل طريق أوسع من سابقه وأبعد عنه، وكل واحد منها يمثّل عقداً من الطموح. وتسمية هذه الطرق بسيطة إلى حدّ الشاعرية؛ إذ يُسمّى الطريق باسم عرضه، وعرضه بدوره يكشف عن حجم طموح المدينة التي أنشأته.
وهنا يتوقف التخطيط الحضري عن أن يكون مجرد زخرفة ليتحول إلى أداة حوكمة. فالطريق الدائري ليس مجرد إسفلت، بل هو الهيكل الإنشائي الذي تتعلّق به الأحياء. فإذا رُسم الطريق الدائري أولاً، وجدت الأحياء والأبراج والأسواق والحدائق مكانها على امتداده بترتيب منطقي. أما إذا شُيّد النسيج العمراني أولاً، فسيُضطر المخططون لاحقاً إلى شقّ الطرق عبره على مدى خمسين عاماً وبتكلفة باهظة. وقد اختارت أربيل، في معظم الأحيان، أن تُنشئ حلقاتها أولاً.
ومن السهل التقليل من قيمة ما أنجزته حكومة إقليم كوردستان في هذا المجال، لأن ما أنجزته بنية تحتية، والبنية التحتية تكون غير مرئية حين تعمل بكفاءة. فطريق المئة وعشرين متراً، الذي افتُتح عام 2017، منح العاصمة المتنامية حدّها الخارجي لفترة من الزمن. أما طريق المئة والخمسين متراً، وهو حلقة يبلغ طولها نحو سبعين كيلومتراً وتقترب اليوم من الاكتمال، فقد دفع بذلك الحدّ إلى مسافة أبعد بكثير، وضمّ إلى جسد المدينة نحو اثنتي عشرة بلدة كانت لا تزال على أطرافها. وقد نُفّذ معظم هذا العمل على يد شركات كوردية محلية لا شركات عالمية كبرى، وهذا أمر له دلالته، ذلك أن الإقليم القادر على بناء هيكله الأساسي بنفسه قادر على أن يبني فوقه أي شيء تقريباً.
وهذه الحلقات هي السبب في أن الطفرة العقارية التي شهدها العقد الماضي وجدت أرضاً صلبة تستقر عليها. فمجمعات مثل «إمباير وورلد» و«دريم سيتي»، وناطحات السحاب السكنية المرتفعة على امتداد الطرق الأوسع، ما كانت لتكون منطقية لولا شبكة الحركة المرورية التي تغذّيها. وما زال هذا المنطق سارياً حتى اليوم؛ فـ«الحزام الأخضر» الآخذ بالتشكل حول أطراف المدينة الخارجية هو، من الناحية التخطيطية، ببساطة الحلقة التالية، غير أنها هذه المرة مرسومة بالأشجار والمياه بدلاً من الخرسانة. وتبدو وكأنها حدّ بيئي رسمته اليد نفسها التي رسمت الطرق، بهدف تلطيف مناخ المدينة، وتنقية هوائها، ووضع حدّ لتوسعها.
ولم تكتمل أربيل بعد، وقد وقعت في الأخطاء المعتادة التي تقع فيها أي مدينة تنمو بسرعة؛ فالازدحام المروري لا يزال قائماً، وبعض الأحياء الداخلية بقيت متخلّفة عن ركب هذا التوسع المتسارع نحو الخارج. غير أن الفكرة الجوهرية صمدت ستة آلاف عام وعبر حكّام كُثر، واحترمتها الحكومة الحالية بدلًا من أن تصطدم بها. وهذا هو الانضباط الهادئ الكامن خلف أفق أربيل؛ فالأبراج تخطف الأضواء وتتصدّر الصور، لكن الحلقات هي التصميم الحقيقي، وهي السبب في أن العاصمة نمت بهذه السرعة من دون أن تفقد شكلها يوماً.