لا تمنحهم عمرك باسم الولاء

لا تمنحهم عمرك باسم الولاء
لا تمنحهم عمرك باسم الولاء

هناك كلمة تتكرر كثيرا في بيئة العمل، وكانها قيمة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها: الولاء. يقال للموظف: كن وفيًا لشركتك، ضحِّ من أجلها، ابقَ إلى جانبها، لا تفكر فقط في نفسك، فالشركة التي أعطتك فرصة تستحق منك الولاء. ومع مرور الوقت، يبدأ الموظف فعلًا في تصديق هذه الفكرة، حتى يصبح يشعر بالذنب كلما فكر في مصلحته، أو طلب راتبًا أفضل، أو بحث عن فرصة أخرى، أو رفض أن يستهلك عمله كل وقته وحياته.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا ونقول للموظف: استيقظ. ليس لأن العمل شيء سيئ، وليس لأن عليك أن تكون موظفًا غير مخلص، وإنما لأن عليك أن تعرف حقيقة العلاقة التي تربطك بالمؤسسة. أنت تعمل، وهم يدفعون لك. أنت تقدم وقتك وخبرتك وجهدك، وهم يقدمون لك راتبًا وفرصة وخبرة. هذه علاقة مهنية طبيعية، ولا تحتاج إلى أن تتحول إلى علاقة عاطفية تجعلك تشعر بأن مصلحتك الشخصية نوع من الخيانة.

والأهم من ذلك، انظر حولك جيدًا. حتى مديرك أو رئيسك، مهما تحدث عن الولاء والانتماء للمؤسسة، ليس لديه بالضرورة ولاء كامل للشركة بالمعنى الذي يطلبه منك. لديه التزامه ومصلحته ومساره المهني، وقبل كل شيء لديه راتب يتقاضاه مقابل عمله. فإذا توقف راتبه، أو انتهت مصلحته في المكان، أو قرر أن ينتقل إلى فرصة أفضل، فمن الطبيعي أن يتغير قراره. وفي اللحظة التي يغادر فيها منصبه، قد يكتشف هو أيضًا أنه لم يعد أكثر من رقم عادي في نظام المؤسسة؛ قد تتغير الوجوه من حوله، وقد لا يعود أحد حتى يسأل عنه أو يسلّم عليه. فلماذا إذن يطلب منك أن تكون أنت الاستثناء؟ كن محترفًا، نعم. أنجز عملك بإتقان، احترم التزاماتك، وكن شخصًا يعتمد عليه. لكن لا تخلط بين الاحتراف وبين التضحية العمياء، ولا بين المسؤولية وبين أن تمنح المؤسسة أفضل ساعات يومك وأفضل سنوات عمرك ثم تكتشف في النهاية أنك لم تفعل شيئًا لنفسك.
فكر في الأمر بواقعية. عندما تكون الأمور جيدة، تكون جزءًا مهمًا من الفريق، وعندما تحقق النتائج تصبح موظفًا متميزًا. لكن ماذا يحدث عندما تتغير الظروف؟ عندما تنخفض الأرباح؟ عندما تتغير الإدارة؟ عندما يصبح منصبك غير ضروري؟ في تلك اللحظة، قد تختفي كل الكلمات الجميلة، ويصبح الأمر مجرد أرقام وميزانيات وتكاليف وقرارات.
وهذا ليس ظلمًا بالضرورة، بل هو منطق المؤسسات. لكن إذا كانت المؤسسة تتعامل مع الأمر بمنطق المصالح والأرقام، فلماذا يُطلب من الموظف أن يتعامل معه بمنطق التضحية والولاء الأبدي؟

المشكلة ليست في أن تعمل بجد. المشكلة عندما تنسى لماذا تعمل أصلًا. أنت تعمل لكي تعيش، لكي تبني مستقبلك، لكي تطور نفسك، لكي توفر حياة أفضل لك ولعائلتك. لا لكي تستيقظ بعد عشر سنوات وتكتشف أن كل ما تملكه هو سنوات طويلة قضيتها في خدمة أهداف ليست أهدافك. لا تسمح لكلمة "الولاء" أن تمنعك من التطور. لا تجعلها تمنعك من طلب حقك، أو البحث عن راتب أفضل، أو قبول فرصة جديدة، أو تعلم مهارة يمكن أن تغير مستقبلك. لا تشعر بالخيانة لأنك تريد أن تكون أفضل، ولا بالذنب لأنك تفكر في مستقبلك. فالشركة لها أهدافها، وأنت لك أهدافك. الشركة تريد أن تنمو، وأنت يجب أن تنمو معها. الشركة تريد زيادة أرباحها، وأنت يجب أن تزيد قيمتك. الشركة تستثمر في مستقبلها، وأنت أيضًا يجب أن تستثمر في مستقبلك.

إذا كنت ستعطيهم وقتك، فلا تجعل المقابل مجرد راتب ينتهي في نهاية الشهر. خذ من تجربتك ما يبقى معك عندما تغادر: تعلم، اكتسب خبرة، ابنِ علاقات، طور مهاراتك، افهم السوق، ادخر، وابنِ لنفسك شيئًا لا يستطيع أحد أن يسحبه منك بمجرد انتهاء عقد العمل. لأن الحقيقة التي يجب ألا تنساها هي أنك قد تكون مهمًا جدًا اليوم، لكن لا أحد يستطيع أن يضمن لك أنك ستبقى مهمًا غدًا. وقد تكون الشركة التي تعمل معها اليوم جزءًا كبيرًا من حياتك، لكنها ليست حياتك كلها.
لذلك لا تسأل نفسك فقط: ماذا قدمت للشركة؟ اسأل أيضًا: ماذا قدمت هذه الشركة لي؟ وماذا صنعت أنا بنفسي خلال السنوات التي قضيتها هنا؟ إذا قضيت عشر سنوات في مكان واحد، فمن المفترض أن تخرج منه أكثر قوة، وأكثر معرفة، وأكثر خبرة، وأكثر قدرة على بناء مستقبلك. أما إذا خرجت منه بعد عشر سنوات بنفس المهارات ونفس التفكير ونفس الإمكانيات، بينما ذهب معظم وقتك وطاقتك في المحافظة على مكانك فقط، فربما حان الوقت لأن تسأل نفسك: لمن كنت تعمل فعلًا؟ استيقظ قبل أن يصبح الوقت هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع استعادته. اعمل، ولكن لا تجعل العمل يبتلع حياتك. كن ملتزمًا، ولكن لا تكن أسيرًا. احترم المؤسسة، ولكن لا تنسَ احترام نفسك ومستقبلك. ولا تبحث عن الولاء في المكان الخطأ.

المؤسسة قد تستبدلك يومًا، وقد تنساك بعد رحيلك، وقد يتحول اسمك إلى رقم في ملف أو تكلفة في ميزانية. حتى مديرك أو رئيسك، الذي يطلب منك الولاء للشركة، هو في النهاية ليس لديه ولاء كامل لها؛ هو أيضًا يعمل من أجل راتبه ومصلحته ومستقبله. وطالما أن راتبه مستمر، فهو موجود ويؤدي دوره. لكن إذا انتهى راتبه أو انتهى دوره في المؤسسة، فقد يصبح هو أيضًا مجرد رقم عادي، وربما لا يجد حتى من يسلّم عليه كما كان يفعل عندما كان في منصبه.