Kurdistan24
محرر
العراق في قلب العاصفة...من ساحة لتصفية الحسابات إلى جسر للحوار الإقليمي.
يقف العراق اليوم في قلب صراع إقليمي معقد تتداخل فيه المصالح الدولية والإقليمية، ويجد نفسه في موقع لا يمكن وصفه بالحياد المطلق ولا بالانحياز الكامل، بل هو موقع يتسم بالتوازن الحذر ومحاولة صياغة دور مستقل يعكس تطلعاته الوطنية، إذ أن هذا الموقع ليس وليد اللحظة بل هو نتاج تاريخ طويل من التداخل بين العراق والجوار، حيث شكلت جغرافيته ومكانته الحضارية والسياسية نقطة جذب وصراع في آن واحد.
منذ سقوط النظام السابق عام 2003، أصبح العراق ساحة مفتوحة لتنافس القوى الكبرى،فالولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، إضافة إلى حضور إقليمي متنوع من تركيا ودول الخليج، حيث جعل هذا التنافس العراق في كثير من الأحيان يبدو وكأنه ساحة لتصفية الحسابات، لكنه في الوقت نفسه منح بغداد فرصة لإعادة تعريف نفسها كلاعب إقليمي قادر على الموازنة بين هذه القوى،ومع تصاعد التوترات في المنطقة، خصوصاً بين واشنطن وطهران، أصبح العراق مطالباً بأن يحدد موقعه بوضوح أكبر، وأن يختار بين أن يكون مجرد ساحة نفوذ أو أن يتحول إلى محور توازن.
السياسة العراقية في السنوات الأخيرة اتجهت نحو محاولة تثبيت مفهوم السيادة الوطنية، وهو مفهوم تعرض للاهتزاز بفعل التدخلات الخارجية والوجود العسكري الأجنبي فالانسحاب الأمريكي من العراق الذي جاء نتيجة ضغوط داخلية وخارجية، أعاد طرح سؤال جوهري...هل يستطيع العراق أن يحافظ على استقلال قراره السياسي والأمني في ظل استمرار النفوذ الإيراني وتزايد الضغوط الأمريكية؟
هذا السؤال يعكس جوهر موقع العراق في الصراع الدائر، فهو ليس مجرد طرف متأثر، بل طرف فاعل يسعى إلى صياغة معادلة جديدة تضمن له دوراً مستقلاً.
في البعد الإقليمي، العراق يحاول أن يقدم نفسه كجسر بين القوى المتصارعة، فهو يدرك أن موقعه الجغرافي يجعله حلقة وصل بين الخليج وإيران، وبين الشام وتركيا، وبين الشرق والغرب وهذا الدور الوسيط يمنحه فرصة ليكون ساحة للحوار بدلاً من أن يكون ساحة للحرب وقد شهدنا في السنوات الأخيرة محاولات عراقية لاستضافة جولات تفاوض بين أطراف إقليمية متنازعة، في محاولة لإعادة بغداد إلى موقعها التاريخي كعاصمة للحوار والتوازن.
لكن هذا الدور الوسيط لا يخلو من تحديات، فالعراق يواجه ضغوطاً داخلية من قوى سياسية وفصائل مسلحة بعضها مرتبط بالخارج، ما يجعل القرار الوطني عرضة للتجاذبات كما أن الوضع الاقتصادي الهش يزيد من صعوبة الحفاظ على استقلالية القرار، إذ يحتاج العراق إلى دعم خارجي في مجالات الطاقة والاستثمار، وهو ما يفتح الباب أمام نفوذ القوى الإقليمية والدولية، بالمقابل، هناك إدراك متزايد داخل العراق بأن استمرار الارتهان للخارج سيبقيه في موقع التابع، ولذلك نرى محاولات لتعزيز التعاون العربي–العربي، والانفتاح على دول الخليج ومصر والأردن، إلى جانب الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران وتركيا إذ أن هذه السياسة تهدف إلى تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على طرف واحد، وهو ما يعكس رغبة العراق في أن يكون لاعباً مستقلاً لا مجرد تابع لإحدى القوى.
الصراع الدائر في المنطقة، سواء كان في سوريا أو اليمن أو الخليج، يضع العراق أمام تحدي مزدوج فمن جهة عليه أن يحمي نفسه من الانجرار إلى هذه الصراعات، ومن جهة أخرى، عليه أن يستثمر موقعه ليكون جزءاً من الحل وهذا التحدي يتطلب قيادة سياسية قادرة على الموازنة بين الداخل والخارج، وعلى تقديم رؤية وطنية تتجاوز الانقسامات الطائفية والعرقية التي طالما استُخدمت كأداة للتدخل الخارجي.
موقع العراق في الصراع الدائر في المنطقة هو موقع مركب ومعقد، يجمع بين كونه ساحة نفوذ وصراع وبين كونه لاعباً يسعى إلى صياغة دور مستقل والعراق اليوم يقف أمام فرصة تاريخية إما أن يستمر في أن يكون ساحة لتصفية الحسابات، وإما أن يتحول إلى محور توازن إقليمي قادر على إعادة تعريف معادلة القوة في المنطقة وهذه الفرصة لن تتحقق إلا إذا استطاع العراق أن يعزز مفهوم السيادة الوطنية، وأن يبني مؤسسات قوية قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية، وأن يقدم نفسه كجسر للحوار بدلاً من أن يكون ساحة للحرب، وبهذا المعنى، فإن موقع العراق في الصراع ليس قدراً محتوماً، بل هو خيار سياسي واستراتيجي يمكن أن يعيد رسم ملامح المنطقة بأكملها.