د. علي التميمي
خبير وباحث قانوني
البيشمركة من جيشين حزبيين إلى مؤسسة دستورية موحدة
في 21 أيلول 2026 أعلن إقليم كردستان رسمياً اكتمال توحيد قوات البيشمركة، منهيا حقبة استمرت ثلاثة عقود من الانقسام العسكري الحزبي. الحدث ليس مجرد إعادة تنظيم إداري، بل هو تحول في بنية الأمن العراقي ككل، ويثير سؤالين مركزيين: ما السند القانوني لوجود هذه القوات؟ ولماذا لا يشملها مبدأ "حصر السلاح بيد الدولة"؟
أولاً: ماذا يعني توحيد البيشمركة؟
توحيد البيشمركة يعني إنهاء الازدواجية التاريخية بين:
- الوحدة 70 التابعة للاتحاد الوطني الكوردستاني
- الوحدة 80 التابعة للحزب الديمقراطي الكوردستاني
وكانت هاتان الوحدتان تعملان خارج القيادة المباشرة لوزارة شؤون البيشمركة، رغم وجود الوزارة منذ 1992.
عملية الإصلاح التي بدأت فعلياً عام 2016 وبدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وفق مذكرة تفاهم مع وزارة الدفاع الأمريكية، انتهت إلى:
1. دمج كامل: إدخال قوات 70 و 80 تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة بشكل كامل، وإعادة تسميتهما إلى المنطقة العسكرية الأولى والمنطقة العسكرية الثانية، وأصبحت مقارها تابعة حصراً للوزارة.
2. هيكلية موحدة: إعادة تنظيم جميع القوات ضمن قيادة وسيطرة موحدة تشمل الألوية والفرق وقيادتي المنطقتين، بهيكل جديد يضم 11 فرقة كل فرقة 3 ألوية.
3. إصلاح مؤسساتي: توحيد القيادة والسيطرة، وإصلاح الجوانب الإدارية والمالية، وتطوير منظومات التدريب والتسليح والخدمات اللوجستية.
كما قال رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني: "بعد عمل طويل استطعنا أن نصل إلى هذا اليوم لتوحيد قوات البيشمركة". الرسالة السياسية: بعد 21 أيلول "لن تبقى أي قوة من البيشمركة خارج إطار وزارة البيشمركة".
الهدف هو تحويل البيشمركة من "قوة حزبية " إلى مؤسسة عسكرية احترافية وغير حزبية تعمل تحت سلطة الإقليم، بمعايير وطنية لا ولاءات سياسية.
ثانياً: السند القانوني والدستوري
وجود البيشمركة ليس استثناءً عرفياً، بل هو مؤسس على تدرج قانوني ثلاثي:
1. المرحلة الانتقالية:
الأمر التشريعي رقم 91 لسنة 2004 الخاص بتنظيم القوات المسلحة، استثنى البيشمركة صراحةً من حل الجيش والمؤسسات الأمنية للنظام السابق، استناداً إلى قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية المادة 54/ب التي اعترفت بها كـ "قوات مسموح بها بشكل خاص". 94bf
2. الدستور الدائم 2005:
الدستور لم يذكر اسم "البيشمركة" حرفياً، لكنه شرعنها تحت مسمى قانوني منضبط هو "حرس الإقليم":
- المادة 117/ أولاً: اعترفت بإقليم كردستان كإقليم اتحادي بسلطاته القائمة.
- المادة 121/ خامساً: نصت "تختص حكومة الإقليم بكل ما تتطلبه إدارة الإقليم وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم".
- المادة 141: أضفت الشرعية الدستورية على منظومة قوانين الإقليم الصادرة منذ 1992، واعتبرتها نافذة ومستمرة ولا تعدل إلا من قبل الإقليم نفسه.
وبما أن وزارة البيشمركة كانت الكيان العسكري القائم قانوناً، فإن مصطلح "حرس الإقليم" هو الغطاء الدستوري القاطع لها.
3. النتيجة القانونية: وجود البيشمركة مستمد من صلب الدستور، فلا يمكن إلغاؤها بقرار حكومي أو قانون عادي، بل يتطلب تعديلاً دستورياً واستفتاءً.
ثالثاً: لماذا لا تشملها دعوات حصر السلاح بيد الدولة؟
الجدل الحالي عن حصر السلاح بعد انسحاب التحالف الدولي في 30 أيلول 2026 يفرق بوضوح بين نوعين من السلاح.
مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي أوضح النقطة الحاسمة: "سلاح البيشمركة ضمن الدستور وقرار سحب السلاح لكل ما هو خارج عن الدستور"، و"يقع ضمن الإطار الدستوري، بينما يشمل قرار نزع السلاح الجهات المسلحة الموجودة خارج أحكام الدستور والمؤسسات الرسمية".
الفرق القانوني جوهري:
- البيشمركة: قوة نظامية، لها وزارة، وموازنة، وقانون، وتخضع لسلطة إقليم معترف به دستورياً، وهي جزء من المنظومة الدفاعية العراقية بنص المادة 121. لذلك تعتبرها بغداد قوة دستورية شريكة للجيش الاتحادي، وليست ميليشيا.
- الفصائل المسلحة: تشكيلات نشأت بعد 2003 خارج نص المادتين 9 و121، ولا تتبع وزارتي الدفاع أو الداخلية، ولا حكومة إقليم. لذلك يندرج سلاحها تحت "السلاح خارج إطار الدولة".
من هنا، توحيد البيشمركة يعزز منطق حصر السلاح لا يناقضه. فبدل قوتين حزبيتين، أصبحت هناك مؤسسة واحدة خاضعة للمحاسبة والتنسيق مع القيادة العامة للقوات المسلحة، وهو ما رحب به مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة عبد الأمير الشمري بحضوره مراسم التوحيد في أربيل.
الخلاصة: توحيد البيشمركة هو انتقال من شرعية الأمر الواقع الحزبي إلى شرعية المؤسسة الدستورية. وهو لا يضعف الدولة الاتحادية، بل يطبق الفيدرالية كما كتبها الدستور: جيش اتحادي يحمي الحدود والسيادة، وحرس إقليم يحمي الإقليم ضمن الدولة الواحدة..