الاستفتاء كان إرادة الوطنيين

الاستفتاء كان إرادة الوطنيين
الاستفتاء كان إرادة الوطنيين

لم يكن استفتاء 25 أيلول 2017 قرارًا عابرًا في تاريخ كوردستان، ولم يكن مجرد اوراق وُضعت في صناديق الاقتراع، بل كان تعبيرًا عن إرادة وطنية تراكمت عبر عقود طويلة من النضال والتضحيات، وبعد تجارب سياسية كثيرة حاول من خلالها الشعب الكوردي أن يجد مكانه الحقيقي داخل الدولة العراقية.

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، عاش و عانى الشعب الكوردي مراحل طويلة من الصراع مع بغداد. كانت هناك محاولات واتفاقات ومفاوضات، ثم جاءت مرحلة جديدة بعد عام 2003، عندما أُقر النظام الفيدرالي في الدستور العراقي، وأصبح إقليم كوردستان كيانًا دستوريًا داخل العراق.

لكن السؤال الذي ظل مطروحًا هو: هل نجحت الشراكة الاتحادية في تحقيق ما كان ينتظره الشعب الكوردي؟ ولنكن صريحين و نقول في الواقع أن الكثير من الملفات الأساسية بقيت معلقة، وفي مقدمتها تنفيذ المواد الدستورية المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، والحقوق المالية، وصلاحيات الإقليم، والعلاقة بين المؤسسات الاتحادية ومؤسسات كوردستان. ومع استمرار الخلافات، تزايد لدى قطاعات واسعة من الشعب الكوردستاني الشعور بأن الصيغة التي أُريد لها أن تكون أساسًا للشراكة لم تحقق الاستقرار السياسي المنشود، ولهذا جاء  جاء استفتاء 25 أيلول، و لم يكن الاستفتاء وليد لحظة سياسية واحدة، بل كان نتيجة مسار طويل من الأحداث والتجارب،  وعندما توجه المواطنون في كوردستان إلى صناديق الاقتراع، لم يكونوا يصوتون تحت شعار حزبي فقط، وإنما كانوا أمام سؤال يتعلق بمستقبل شعب ووطن: هل يريدون الاستقلال؟

وكانت الإجابة واضحة، فقد صوّت نحو 93 بالمئة من المشاركين بـ«نعم» للاستقلال، في واحدة من أكثر المحطات حضورًا في التاريخ السياسي المعاصر لكوردستان.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الاستفتاء، في الرؤية التي تبنّتها قيادته السياسية، لم يكن مشروعًا لتقسيم العراق بالقوة، بل جاء في سياق تاريخي وسياسي يرى أن العلاقة بين كوردستان والدولة العراقية تأسست في ظروف تاريخية معقدة، وأن الشعب الكوردستاني لم يُمنح فرصة حقيقية للتعبير عن إرادته بشأن مستقبله السياسي عند تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921، ومن هذا المنطلق، رأى مؤيدي الاستفتاء أن التصويت لم يكن مجرد محاولة للانفصال عن دولة قائمة، وإنما كان ممارسة لحق الشعب في التعبير عن اختياره بشأن مستقبله، بعد عقود من الصراعات ومحاولات الوصول إلى شراكة مستقرة داخل العراق.

ربما تختلف الآراء حول توقيت الاستفتاء، وقد يختلف السياسيون في تقييم ظروفه ونتائجه، لكن الاختلاف في السياسة لا يلغي حقيقة أساسية: الشعب الكوردي ذهب إلى صناديق الاقتراع وقال كلمته، وهذه الحقيقة لا يمكن إسقاطها من التاريخ بمجرد أن النتائج السياسية التي أعقبت الاستفتاء لم تذهب في الاتجاه الذي أراده المصوتون.

كان يمكن التعامل مع الاستفتاء باعتباره تعبيرًا سياسيًا عن إرادة شريحة واسعة من الشعب، وفتح باب الحوار حول مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل، لكن الأحداث التي أعقبت الاستفتاء اتخذت مسارًا مختلفًا، وتصاعدت الضغوط السياسية والاقتصادية، ثم جاءت أحداث 16 من اكتوبر 2017، وما رافقها من فقدان القوات الكوردية السيطرة على عدد من المناطق المتنازع عليها، في أحداث ما زالت تُقرأ كوردستانيًا من زوايا سياسية مختلفة، ويرى فيها البعض نتيجةً للخلافات والتباينات داخل البيت الكوردي..

فإذا كانت الديمقراطية تعني الاحتكام إلى إرادة المواطنين، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحًا هو: كيف يمكن التعامل مع إرادة شعب عبّر عنها عبر بصناديق الاقتراع؟ لقد اختار الكوردستانيون وسيلة سياسية سلمية للتعبير عن موقفهم. لم يكن الاستفتاء حربًا، ولم يكن عملية عسكرية، بل كان تصويتًا شارك فيه المواطنون بصورة مباشرة. وهذا ما يجعل 25 أيلول يومًا مختلفًا في الذاكرة الكوردستانية.

كان الرئيس مسعود بارزاني في مقدمة الذين حملوا مسؤولية هذه الخطوة التاريخية، ودفع باتجاه إجراء الاستفتاء باعتباره وسيلة لإعطاء الشعب الكوردستاني فرصة للتعبير المباشر عن إرادته، وبالنسبة إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، كان الاستفتاء امتدادًا لمسار طويل من النضال السياسي والقومي الذي قاده البارزانيون من أجل حقوق الشعب الكوردي.

لكن أهمية الاستفتاء لا ترتبط بشخص أو حزب وحده، لأن ملايين المواطنين الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع كانوا جزءًا أساسيًا من المشهد. ولهذا فإن اختزال الاستفتاء في خلاف بين الأحزاب أو بين الحكومات يُفقده جوهره الحقيقي، قد يختلف الناس في السياسة، وقد تختلف الأحزاب في مواقفها، وقد تتغير الظروف، لكن لا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى وسيلة لمحو ذاكرة شعب عبّر عن نفسه في صناديق الاقتراع.

بعد سنوات من الاستفتاء، لم يعد السؤال فقط: ماذا حدث بعد 25 أيلول؟ بل يجب أن يُطرح سؤال آخر: ماذا بقي من ذلك اليوم؟ بقيت إرادة شعبية مسجلة في صناديق الاقتراع، وبقيت تجربة سياسية أثبتت أن قضية تقرير المصير كانت وما زالت جزءًا من النقاش السياسي الكوردي، وبقيت أيضًا حقيقة أخرى: أن مستقبل كوردستان لا يمكن أن يُبنى على الانقسام الداخلي، ولا على الصراعات الحزبية، وإنما يحتاج إلى وحدة الموقف الكوردي عندما يتعلق الأمر بالقضايا الوطنية الكبرى.
فالاستفتاء أظهر قوة الإرادة الشعبية، لكنه أظهر في الوقت نفسه أن الإرادة الشعبية وحدها لا تكفي إذا لم ترافقها وحدة سياسية واستراتيجية واضحة.
وهذه واحدة من أهم دروس 25 أيلول، لا نخجل من نعم، هناك من يحاول اليوم إعادة قراءة ذلك اليوم من خلال نتائجه السياسية فقط، وكأن عدم تحقق الاستقلال بعد الاستفتاء يعني أن الذين صوّتوا بـ(نعم) كانوا مخطئين. وهذه قراءة تختزل التاريخ في النتيجة النهائية، فالذين قالوا (نعم) لم يكونوا مطالبين بإثبات المستقبل، وإنما كانوا يمارسون حقهم في التعبير عن رؤيتهم لذلك المستقبل.

ومن حق من صوّت بـ(نعم) أن يفتخر بموقفه، كما أن من اختار موقفًا آخر يتحمل مسؤوليته السياسية أمام التاريخ.
لكن السؤال الحقيقي ليس: من قال (نعم) ومن قال (لا)، السؤال هو: هل كان للشعب الكوردستاني الحق في أن يقول كلمته؟ والجواب بالنسبة إلى أصحاب إرادة الاستفتاء كان واضحًا: نعم، كان من حقه أن يقول كلمته.
ولهذا فإن 25 أيلول ليس يومًا للخجل أو الإنكار، وإنما يوم لقراءة تجربة سياسية بكل ما لها وما عليها، واستخلاص الدروس منها للمستقبل، فالتاريخ لا يُقاس فقط بما تحقق في لحظة معينة، بل بما تتركه تلك اللحظة من أثر في وعي الشعوب.

قد تتغير الحكومات، وقد تتغير التحالفات، وقد تتبدل الظروف الإقليمية والدولية، لكن ما جرى في 25 أيلول 2017 لا يمكن محوه من الذاكرة السياسية لكوردستان.
لقد دخل المواطن الكوردستاني إلى مركز الاقتراع، ووقف أمام صندوق الانتخابات، واختار، وهذه الصورة وحدها تختصر الكثير من تاريخ ذلك اليوم، لم تكن (نعم) مجرد كلمة انتخابية، بل كانت تعبيرًا عن حلم سياسي حمله الكورد عبر أجيال.

وقد لا تكون كل الأحلام قابلة للتحقق في اللحظة التي تريدها الشعوب، لكن ذلك لا يعني أن الحلم لم يكن موجودًا، ولا أن الإرادة التي عبّرت عنه لم تكن حقيقية.
ولهذا سيبقى 25 أيلول 2017 محطة مهمة في تاريخ كوردستان، وسيبقى الاستفتاء شاهدًا على مرحلة اختار فيها أبناء كوردستان أن يقولوا كلمتهم بأنفسهم، الاستفتاء كان إرادة الوطنيين، وإرادة الشعوب لا تُلغى بمجرد اختلاف النتائج السياسية.

أما الدرس الأهم، فهو أن مستقبل كوردستان يحتاج إلى قراءة الماضي بوعي، والحفاظ على وحدة الصف، وعدم السماح للخلافات الداخلية بأن تتحول إلى عامل ضعف أمام القضايا الوطنية الكبرى، فما قاله الشعب في صناديق الاقتراع في 25 أيلول سيبقى جزءًا من تاريخ كوردستان، مهما اختلفت القراءات السياسية حوله.