د. أمير الدعمي
خبير قانوني
بلقنة العراق.. حين يتحول التحذير الأمريكي إلى سؤال عن مستقبل الدولة
لم يكن تصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن (بلقنة العراق ) مجرد عبارة عابرة في سياق حديث دبلوماسي فالمصطلح نفسه يحمل حمولة تاريخية وسياسية ثقيلة وحين تستخدمه واشنطن في الحديث عن العراق فإنها لا تتحدث فقط عن خلافات سياسية أو تعدد في مراكز القوة وإنما تفتح الباب أمام نقاش أوسع يتعلق بمستقبل الدولة العراقية وحدود سلطتها وقدرتها على الاحتفاظ بقرارها الأمني والسياسي موحداً ..
من هنا يبدأ السؤال الحقيقي ماذا قصدت الولايات المتحدة عندما تحدثت عن احتمال ( بلقنة العراق ) وهل نحن أمام تحذير من تفكك محتمل أم أمام إشارة إلى تغير في طريقة تعامل واشنطن مع العراق !!
لفهم الرسالة لا بد من العودة إلى معنى المصطلح نفسه
فالبلقنة ارتبطت تاريخياً بتفكك كيانات سياسية متعددة المكونات إلى وحدات متنافسة وغالباً ما جاء ذلك نتيجة تراكم الصراعات الداخلية وضعف السلطة المركزية وتعدد مراكز القوة وعندما يُستخدم المصطلح في الحالة العراقية فإنه لا يعني بالضرورة أن العراق سيُقسَّم غداً إلى دويلات على أساس طائفي أو قومي وإنما يمكن أن يشير إلى مسار أكثر تدريجية دولة واحدة على الخريطة لكنها تعاني من تعدد القوى التي تمتلك السلاح والنفوذ والقدرة على التأثير في القرار ..
وهنا تكمن أهمية تصريح روبيو فالولايات المتحدة تربط بصورة واضحة بين وحدة الدولة وبين حصر السلاح بيد مؤسساتها ومن منظور واشنطن لا تستطيع أي حكومة أن تكون صاحبة القرار الكامل إذا كانت هناك قوى مسلحة تمتلك قدرة مستقلة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم أو تستطيع أن تفرض وقائع أمنية وسياسية خارج الإطار الحكومي لكن المسألة العراقية أكثر تعقيداً من هذا التوصيف فالفصائل المسلحة لم تظهر من فراغ بل تشكل جزء منها خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش ثم تحولت لاحقاً إلى قوى سياسية وأمنية ذات حضور داخل النظام العراقي ولذلك فإن الحديث عن نزع السلاح أو حصره بيد الدولة لا يتعلق بمستودعات الأسلحة وحدها وإنما يتعلق بشبكة واسعة من المصالح السياسية والأمنية والاجتماعية التي تراكمت خلال سنوات !!
ولهذا فإن الرسالة الأمريكية يمكن قراءتها من زاويتين في آن واحد ..
الزاوية الأولى أن واشنطن تريد عراقاً أكثر قدرة على فرض سلطته المركزية بحيث يكون القرار الأمني والعسكري خاضعاً للحكومة ومؤسسات الدولة
أما الزاوية الثانية، فهي أن الولايات المتحدة تريد تقليص مساحة القوى المسلحة التي تستطيع التأثير في مصالحها ومصالح حلفائها داخل العراق والمنطقة وهنا تظهر قضية السيادة فحتى لو كان مبدأ حصر السلاح بيد الدولة مبدأً أساسياً في بناء الدولة الحديثة فإن مطالبة قوة أجنبية للعراق بإعادة ترتيب منظومته الأمنية تثير بالضرورة سؤالاً عن حدود التدخل الخارجي في القرار العراقي وهذا يجعل الحكومة العراقية أمام معادلة صعبة فهي مطالبة من الداخل والخارج بتعزيز سلطة الدولة لكنها في الوقت نفسه مطالبة بأن تنجز ذلك بطريقة لا تجعل القرار العراقي يبدو وكأنه استجابة لأملاءات خارجية
ومن هذه النقطة تحديداً تصبح عبارة «بلقنة العراق» أكثر خطورة من مجرد تحذير أمني فالعراق لا يحتاج بالضرورة إلى أن تُرسم حدود جديدة حتى يدخل في حالة من التفكك يمكن أن يبدأ التفكك بصورة مختلفة عندما تتعدد مراكز القرار وتتضارب الولاءات وتتراجع قدرة الحكومة على فرض القانون بالتساوي على الجميع وتتحول المؤسسات الرسمية إلى طرف بين أطراف متعددة بدلاً من أن تكون المرجعية العليا للجميع قد يبقى العلم العراقي واحداً والدستور واحداً والحدود الدولية ثابتة ولكن الدولة نفسها تصبح أقل قدرة على اتخاذ قرار موحد وهذا هو السيناريو الذي يجعل مصطلح «البلقنة» مهماً في الحالة العراقية
ومع ذلك فإن استخدام هذا المصطلح لا يقدم بحد ذاته دليلاً على وجود خطة أمريكية معلنة لتقسيم العراق فالتحذير من احتمال التفكك يختلف تماماً عن إعلان مشروع لتقسيم البلاد وهذه نقطة ينبغي عدم تجاوزها عند قراءة التصريحات السياسية خصوصاً في منطقة تختلط فيها التصريحات الرسمية بالتسريبات والتحليلات والتفسيرات السياسية
الأكثر أهمية من نوايا واشنطن هو السؤال المتعلق بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة فإذا استطاعت الدولة العراقية أن تعزز مؤسساتها وتضع السلاح ضمن إطار قانوني ومؤسساتي وتحقق توازناً بين المكونات والقوى السياسية فإن خطر التفكك يبقى قابلاً للاحتواء أما إذا تحول الصراع على السلاح إلى صراع مفتوح بين مراكز القوى أو تحولت الخلافات السياسية إلى أزمات أمنية فإن المشكلة لن تكون بحاجة إلى مشروع خارجي حتى تصبح خطيرة إذ يمكن للتفكك السياسي أن ينتج تدريجياً من داخل الدولة نفسها
لهذا فإن تصريح روبيو ينبغي ألا يُقرأ فقط باعتباره موقفاً أمريكياً من الفصائل المسلحة بل باعتباره رسالة تتعلق بصورة الدولة العراقية التي تريد واشنطن التعامل معها في المرحلة المقبلة
وفي نهاية المطاف يبقى مستقبل العراق مرتبطاً قبل كل شيء بقدرة العراقيين أنفسهم على بناء دولة تستطيع أن تكون المرجعية الوحيدة للسلاح والقرار وتحافظ في الوقت ذاته على التوازن السياسي والاجتماعي الذي يمنع تحول الخلافات إلى صراع على وجود الدولة نفسها فـبلقنة العراق قد تبدأ في أخطر صورها من مكان مختلف تماماً عما يتخيله البعض ليس من خارطة تُرسم في الخارج وإنما من لحظة تصبح فيها الدولة عاجزة عن إنتاج قرار واحد بينما تتكاثر داخلها القرارات المتنافسةوهنا يتحول التحذير الأمريكي من مجرد تصريح سياسي إلى سؤال عراقي خالص هل يستطيع ساسة العراق أن يمنع تفككه بالحفاظ على وحدة الدولة قبل أن يصبح الحديث عن ( البلقنة ) واقعاً سياسياً لا مجرد تحذير دبلوماسي !!!