شيركو حبيب
كاتب
25 أيلول يومٌ انتهى التصويت فيه ولم تنتهِ القضية
هناك تواريخ تمرّ في حياة الشعوب، وهناك تواريخ تبقى حاضرة مهما مرّت السنوات، ومهما تغيّرت الأجيال. و25 أيلول 2017 ليس مجرد يوم فُتحت فيه صناديق الاقتراع وأدلى فيه شعب كوردستان بصوته، بل كان يومًا خرجت فيه إرادة وطموح شعب إلى العلن، وقالت بوضوح ما أرادت قوله للعراق وللعالم. في ذلك اليوم، لم يكن السؤال بالنسبة للكورد مجرد ورقة تُوضع في صندوق، بل كان سؤالًا أكبر: هل يحق لشعب أن يعبّر عن إرادته في تحديد مستقبله؟
وقد أجاب شعب كوردستان بصوته. أكثر من 92% من المصوتين في الاستفتاء صوّتوا لصالح الاستقلال، لكن بعد تسع سنوات، ربما أصبح السؤال الأهم ليس: ماذا يعني لنا 25 أيلول؟ بل: ماذا تعلمنا من 25 أيلول؟
أول ما تعلمناه هو أن إرادة الشعوب لا تُقاس فقط بما تحققه في لحظة واحدة، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي والتاريخ والسياسة. فالاستفتاء لم يتحول إلى إعلان استقلال، ولم تكن نتائجه نهاية الطريق. بل جاءت بعده تطورات سياسية وأمنية كبيرة، وتوترت العلاقات بين بغداد وأربيل، واستمرت ملفات أساسية، مثل المناطق المتنازع عليها والنفط والشراكة الدستورية، من دون حلول نهائية. وهنا تكمن أهمية التجربة.
25 أيلول جعل قضية شعب كوردستان حاضرة بقوة في النقاش السياسي العراقي والدولي، ووضع إرادة الشعب أمام الجميع. وهذا بحد ذاته درس مهم: أن الشعوب التي تعرف ماذا تريد، تستطيع أن تجعل قضيتها جزءًا من معادلات أكبر من حدود اللحظة.
في الأيام التي سبقت الاستفتاء، ظهرت خلافات سياسية كوردية، لكن الصورة الأكبر كانت أن قضية كوردستان استطاعت أن تجمع قطاعات واسعة من المجتمع حول موقف واحد. وفي إحدى كلماته في السليمانية قبل الاستفتاء، شدد الرئيس مسعود بارزاني على أن الاختلاف السياسي طبيعي، لكن المطلوب هو توحيد المواقف الوطنية واستثمار الاختلاف لخدمة الشعب، لا لمحاربة بعضنا بعضًا.
فالخلاف بين الأحزاب يمكن أن يكون طبيعيًا في أي مجتمع ديمقراطي، لكن الخلاف عندما يتحول إلى انقسام في القضايا الوطنية الكبرى يصبح خطرًا على الجميع. كوردستان لا تحتاج إلى أن يتطابق أبناؤها في كل شيء، لكنها تحتاج إلى أن يعرفوا متى يختلفون، ومتى يتوحدون.
لقد كان 25 أيلول يومًا مليئًا بالمشاعر الوطنية، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن التجربة أثبتت أيضًا أن الإرادة الشعبية، مهما كانت قوية، تحتاج إلى قراءة دقيقة للبيئة السياسية والإقليمية والدولية، وإلى مؤسسات قوية، واقتصاد متماسك، ووحدة داخلية، وعلاقات متوازنة.
وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى ما حدث بعين الاحتفال وحدها، ولا بعين النقد وحدها، بل ينبغي أن ننظر إليه بعين التجربة، فالتاريخ لا يمنح الشعوب فرصة كل يوم كي تتعلم من قراراتها. والشعب الذي يريد أن يبني مستقبله عليه أن يمتلك الشجاعة ليحتفظ بما كان صحيحًا في تجربته، وأن يعترف بما يحتاج إلى مراجعة.
لا يكفي أن تكون لدينا قضية عادلة في نظر أصحابها، بل يجب أن تكون لدينا مؤسسات قوية، وموقف سياسي موحد، واقتصاد قادر على الصمود، وعلاقات خارجية متوازنة، ومجتمع يشعر بأن مستقبله مرتبط بمستقبل وطنه.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن الملفات العالقة بين بغداد وأربيل لا يمكن أن تختفي بمجرد مرور الزمن. المادة 140، والموارد المالية، والنفط، والبيشمركة، وشكل الشراكة الاتحادية، كلها ملفات ما زالت تحتاج إلى حلول سياسية ودستورية.
ومن هنا، فإن درس 25 أيلول ليس فقط أن نقول: صوّتنا للاستقلال.
بل أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بعد ذلك لبناء كوردستان أقوى؟ هل وحّدنا مؤسساتنا أكثر؟ هل جعلنا اقتصادنا أكثر قدرة على مواجهة الأزمات؟ هل عززنا ثقة المواطن؟ هل تجاوزنا الخلافات الحزبية عندما يتعلق الأمر بمصلحة كوردستان؟ هل جعلنا الدستور والشراكة السياسية أساسًا ثابتًا لعلاقتنا مع بغداد؟
فالسياسة ليست فقط أن نرفع الراية، وإنما أن نحميها، وليست فقط أن نتحدث عن الوطن، وإنما أن نبني مؤسساته، وليست فقط أن نتذكر الشهداء، وإنما أن نصنع مستقبلًا يليق بتضحياتهم.
نحن شعب لديه تاريخ طويل من النضال والتضحيات والثورات والبيشمركة والقيادات السياسية. لكن احترام التاريخ لا يعني أن نبقى أسرى له. 25 أيلول يجب أن يتحول من ذكرى إلى درس، ومن احتفال إلى مسؤولية، ومن شعار إلى مشروع.
ولهذا، فإن كل قوة سياسية مطالبة بأن تنظر إلى مصلحة كوردستان قبل مصالحها الخاصة، وأن تدرك أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ممارسة سياسية يومية.
لقد أثبتت التجارب الكوردستانية أن الانقسام الداخلي كان دائمًا بابًا يدخل منه الآخرون، ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن نتعلمه من 25 أيلول هو أن نختلف دون أن نتكسر، ونتنافس دون أن نتحول إلى أعداء، ونتحاور دون أن نفقد بوصلتنا الوطنية.
ونتعلم من 25 أيلول أن القضايا التاريخية لا تُحسم دائمًا في ليلة وضحاها. قد يتأخر الحل، وقد تتغير الظروف، وقد تتبدل موازين القوى، لكن الشعوب التي تمتلك الوعي والإرادة والمؤسسات تستطيع أن تحافظ على قضيتها وتعيد طرحها بأدوات مختلفة وفي أوقات مختلفة.
25 أيلول لم يكن نهاية قصة، بل كان فصلًا من قصة طويلة. وإذا كان هناك من يريد أن يختصر ذلك اليوم في نتيجة سياسية مباشرة، فإنه يختصر التاريخ أكثر مما ينبغي.
فعلينا أن نقرأ التاريخ بصورة أعمق، ونتعلم منه أن الوحدة قوة، وأن الإرادة الشعبية مسؤولية، وأن الواقعية السياسية ضرورة، وأن المؤسسات هي الضمان، وأن الخلاف لا يجب أن يتحول إلى انقسام، وأن المستقبل لا يُبنى بالحنين إلى الماضي وحده.
وفي ذكرى 25 أيلول، لا نحتاج فقط إلى أن نتذكر ما قاله الشعب في صناديق الاقتراع.
علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نقول نحن اليوم، بأفعالنا، للأجيال القادمة؟
هل نقول لهم إننا تعلمنا من التجربة؟
أم أننا ما زلنا نكرر أخطاءها؟
إن أعظم وفاء لـ25 أيلول ليس أن نعيد رفع الشعارات فقط، وإنما أن نجعل من دروسه أساسًا لبناء كوردستان أكثر وحدة، وأكثر قوة، وأكثر مؤسساتية، وأكثر قدرة على الدفاع عن حقوقها.
فالأيام التاريخية لا تصبح عظيمة لأنها حدثت فقط، بل لأنها تغيّر ما يأتي بعدها.
و25 أيلول يجب ألا يبقى يومًا نتذكره… بل درسًا نتعلم منه.