سیاسة
شيان مهدي كانيساركي
شيان مهدي كانيساركي

كاتب

المجتمع العراقي بين الوردي وبطاطو: قراءة في البنية الاجتماعية والتحولات الثقافية

المجتمع العراقي بين الوردي وبطاطو: قراءة في البنية الاجتماعية والتحولات الثقافية
المجتمع العراقي بين الوردي وبطاطو: قراءة في البنية الاجتماعية والتحولات الثقافية

ملخص البحث:
يهدف هذا البحث إلى تقديم قراءة سوسيولوجية مقارنة وتحليلية لبنية المجتمع العراقي وتحولاته من خلال أدبيات اثنين من ألمع أعلام الاجتماع والتاريخ العراقي الحديث: الدكتور علي الوردي والمؤرخ حنّا بطاطو. يتناول البحث المقاربة النفسية-الاجتماعية والسلوكية عند الوردي والمقترنة بمفاهيم صراع القيم وازدواجية الشخصية، في مقابل المقاربة المادية-التاريخية والطبقية عند بطاطو والمستندة إلى علاقات الملكية والتحولات الريفية. يخلص البحث إلى تقديم نموذج تحليلي تركيبي يربط بين البعدين الثقافي والمادي لفهم السلوك الجمعي والهياكل الاجتماعية في العراق المعاصر.

الكلمات المفتاحية: علم الاجتماع العراقي، علي الوردي، حنّا بطاطو، البداوة والحضارة، الازدواجية، التشكيل الطبقي، العشيرة.

1. المقدمة
يشكل المجتمع العراقي نموذجاً سوسيولوجياً فريداً للدارسين والباحثين في تحولات المجتمعات العربية والشرق أوسطية؛ نظراً للتعقيد المتأتي من تدافع الجغرافيا السياسية، والتنوع الإثني والمذهبي، والتحولات الهيكلية السريعة التي رافقت نشوء الدولة الوطنية الحديثة عقب الحرب العالمية الأولى. لم تكن عملية التحضر ومأسسة الدولة في العراق مساراً خطياً ناعماً، بل جاءت مصحوبة باضطرابات اجتماعية وسياسية واهتزازات في القيم السلوكية والمنظومات الاجتماعية (الوردي، 2005).

تتبلور إشكالية البحث في السؤال المحوري التالي: كيف أطّرت الأدبيات السوسيولوجية والتاريخية نشوء وبنية المجتمع العراقي الحديث؟ وإلى أي مدى يمكن المقاربة والتكامل بين القراءة النفسية-الثقافية التي قدمها علي الوردي، والقراءة الطبقية-المادية التي صاغها حنّا بطاطو؟

تكتسب هذه الدراسة أهميتها الأكاديمية من كونها تجاوزت النظرة الأحادية التي تفصل بين التحليل الثقافي المفهومي والتحليل المادي الاقتصادي. ومن خلال تطبيق المنهج المقارن واستخدام المنهج التحليلي التركيبي، يسعى البحث إلى صياغة رؤية منهجية تجمع بين "السلوك والقيمة" عند الوردي، و"المال والسلطة والطبقة" عند بطاطو، بما يعزز فهم البيئة الاجتماعية العراقية المعاصرة.


2. المحور الأول: المقاربة النفسية-الاجتماعية عند علي الوردي
يعد الدكتور علي الوردي (1913-1995) الأب المؤسس لـ "علم الاجتماع العراقي". ينطلق الوردي في أطروحته من دمج أدوات التحليل الخلدوني (مفهوم العصبية والبداوة) مع علم النفس الاجتماعي الحديث (نظريات غوستاف لوبون ووليام جيمس)، ليفسر ظواهر المجتمع العراقي عبر مدخل تشخيص "العقد النفسية" والأنماط السلوكية الجمعية.


أ. ثنائية (البداوة والحضارة) واحتدام الصراع القيمي
يفترض الوردي أن الموقع الجغرافي للعراق، باعتباره سهلاً رسوبياً محاطاً بالبادية من جبهاته الغربية والجنوبية، جعل المجتمع العراقي في حالة احتكاك صريح ومستمر مع الهجرات والغزوات البدوية. يقول الوردي في هذا الصدد:


"إن العراق ظل منذ أقدم العصور ممرّاً للقبائل البدوية المهاجرة من الجزيرة العربية، وكان كلما ضعفت السلطة الحاكمة في بغداد غلبت قيم البداوة على قيم الحضارة" (الوردي، 2005، ص 42).

ينتج عن هذا الوضع نزاع قيم مستمر داخل الفرد والمجتمع:


•    قيم البداوة: وتتمثل في النخوة، التعصب للعشيرة، الغزو، تقديس القوة، وأن الشرف يرتبط بالقدرة على إلحاق الهزيمة بالخصم.

•    قيم الحضارة: وتتمثل في الاستقرار، الخضوع للقوانين، المداراة، السلمية، والحرفية الزراعية والتجارية.

هذا الصراع لم يؤدِ إلى انتصار طرف على آخر، بل أسفر عن تركيبة اجتماعية هجينة؛ حيث تحضر المدنية في الأشكال والتنظيمات الرسمية، بينما تحكم القيمة البدوية السلوك المضمر والتعاملات اليومية.

ب. ازدواجية الشخصية العراقية ومفهوم "التناشز الاجتماعي"
أفرد الوردي مساحة واسعة لتحليل ما أسماه "ازدواجية الشخصية" (Sociopathic Duality)، مؤكداً أنها ليست مرضاً نفسياً بقدر ما هي "آلية دفاع اجتماعية". يرى الوردي أن العراقي يتكلم بلغة المقاييس الأخلاقية والعقلانية الحضرية والعالية، لكنه عند التطبيق العملي يحكم بمقاييس العصبية والقوة القبلية.

أعاد الوردي هذه الظاهرة إلى "التناشز الاجتماعي" (Social Dissonance)، وهو الحالة التي تحل عندما تفرض القوانين والمؤسسات الحديثة على مجتمع لم تتغير بنيته التحتية وقيمه التراثية بعد. ويذكر الوردي في كتابه شخصية الفرد العراقي:

"تراه يندد بالوساطة والمحسوبية في خطاباته، لكنه إذا لم ينصر ابن عشيرته أو أقاربه بالوساطة اعتبره قومه ناقص المروءة" (الوردي، 1951، ص 18).

ج. البيئة القاسية والأزمات التراكمية
لم تكن الجغرافيا عند الوردي مجرد مسرح للأحداث، بل كانت صانعة للطباع. ففيضانات دجلة والفرات الكارثية والمباغتة عبر التاريخ، إلى جانب الأوبئة والغزوات المتكررة، زرعت في النفسية العراقية سمات القلق والنزق وسرعة الغضب:

•    سرعة الانفعال والتقلب: العيش في بيئة مهددة بشكل غير متوقع جعل المزاج الجمعي متقبضاً وحاداً، ينتقل سريعاً من أقصى درجات الحماس والعاطفة إلى أقصى درجات الإحباط.

•    النزعة القدرية وتفسير المؤامرة: انعدام الشعور بالإستقرار البيئي والسياسي ولد ميلاً لإرجاع التغيرات إلى قوى قاهرة ومؤامرات خارجية بدلاً من التحليل العلمي المتأنّي.

3. المحور الثاني: المقاربة الطبقية-المادية عند حنّا بطاطو
على الضفة الأخرى من السوسيولوجيا العراقية، يقف حنّا بطاطو (1926-2000) بكتابه المرجعي الضخم «العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية». يرفض بطاطو اختزالية التفسيرات النفسية أو رد سلوك المجتمع العراقي إلى "طبيعة الفرد"، معتمداً المنهج المادي التاريخي والوثائقي في تشريح التركيبة الاجتماعية.


أ. البنية العشائرية وتفكك نظام الإنتاج الريفي
يميز بطاطو بوضوح بين العشيرة كمنظومة قرابة وتضامن تقليدي، وبين العشيرة كـ نظام اقتصادي وسياسي للسيطرة على الأرض. يوضح بطاطو كيف أدخل البريطانيون والحكومة الملكية قوانين تسوية الأراضي (مثل قانون تسوية حقوق الأراضي لعام 1932):


"إن تطبيق قوانين التسوية أدى إلى تحويل شيوخ العشائر من رؤساء حفظة للعرف القبلي إلى مالكين قانونيين مسجلين لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، بينما تحول أبناء العشيرة من شطاء ومزارعين مشاركين إلى أقنان وكادحين معدمين" (بطاطو، 1990، ج 1، ص 125).

هذا التحول المادي -حسب بطاطو- هو الذي قضى على التضامن القَبَلي الاصيل وأحل محله علاقة استغلال طبقي صريح بين الشيخ الإقطاعي والفلاح.


ب. الهجرة الريفية ونشوء "البروليتاريا الرثة" والعشوائيات
رصد بطاطو بالبيانات الرقمية والإحصاءات التغيير الهيكلي الناجم عن هرب الفلاحين المعدمين من ظلم الإقطاع في الجنوب (ولا سيما العمارة والتقسيمات العشائرية هناك) نحو بغداد.


•    أدى هذا التدفق إلى ظهور "الصرائف" والمناطق العشوائية المحيطة ببغداد (والتي شكلت لاحقاً مدينة الثورة/الصدر).

•    نشأت نتيجة لذلك طبقة بروليتارية مدينية غير منتظمة في أجهزة الإنتاج الصناعي الكلاسيكي، وطبقة وسطى صغيرة (معلمون، صغار الموظفين، صباط العسكر) صعدت بفضل التعليم والتوسع الحكومي.

يتناول بطاطو هذا الحزام المديني باعتباره الخزان البشري والمحرك الأساسي للثورات والانتفاضات السياسية، كما حدث في ثورة 14 تموز 1958.


ج. التسييس والتنوع الإثني والطائفي
ينظر بطاطو إلى التنوع الطائفي والإثني (شيعه، سنة، أكراد، تركمان) باعتباره معطيات تتشابك مع الموقع الطبقي والوصول إلى موارد الدولة:


•    يثبت بطاطو عبر الأرقام أن النخب الحاكمة في العهد الملكي كانت تتكون بشكل رئيسي من أعيان وكبار الملاك والضباط العثمانيين السابقين.

•    النزاع الطائفي أو الإثني لم يكن نتاج "أحقاد تاريخية مجردة" بقدر ما كان صراعاً مديناً ومصلحياً على النفوذ السياسي والوظيفة العامة والفرص الاقتصادية داخل الدولة الناشئة.

4. المحور الثالث: دراسة مقارنة ومقاطعة المفاهيم (التقاطع والتكامل)
تتيح المقارنة بين الوردي وبطاطو الاستنتاج بأن كلا المفكرين يكملان بعضهما البعض؛ فالأول يحلل "البنية الفوقية" (القيم، الأفكار، النفسية)، بينما يحلل الثاني "البنية التحتية" (الاقتصاد، علاقات الإنتاج، الطبقات).


أ‌.    مقارنة بين المقاربتين:

وجه المقارنة    المقاربة النفسية-الاجتماعية (علي الوردي)    المقاربة الطبقية-المادية (حنّا بطاطو)
المرجعية النظرية    ابن خلدون، علم النفس الاجتماعي، الوظيفية.    الماركسية التحليلية، المادية التاريخية، التوثيق الأرشيفي.
المفهوم المركزي    ازدواجية الشخصية، التناشز الاجتماعي، ثنائية البداوة والحضارة.    التمايز الطبقي، نمط الإنتاج الآسيوي/الإقطاعي، علاقات الملكية.
تفسير التحول العشائري    استمرار للقيم البدوية وغزوها للقيم الحضرية.    إعادة تشكيل العشيرة بسب قوانين الأرض والسيطرة المادية.
محرك التغيير    الصراع الفكري والنفسي وتغير المفاهيم.    الصراع الطبقي، التحولات الاقتصادية، والصدام مع السلطة.


ب. أطروحة التركيب: كيف يُكمل بطاطو أدوات الوردي؟
•    تفسير استمرار القيم العشائرية في المدينة: يتساءل الوردي عن سبب استمرار القيم البدوية داخل بغداد رغم التحضر. يجيبه بطاطو بالدليل المادي: الفلاح الذي هاجر وسكن الصرائف لم يندمج في اقتصاد صناعي حديث يقتلع جذوره التقليدية، بل عزل في بؤر فقر واستمرار للروابط العشائرية كـ "شبكة أمان أوليّة" غاب عن توفيرها الاقتصاد المديني.

•    تفسير الازدواجية: يرى بطاطو أن الازدواجية التي تحدث عنها الوردي ليست مجرد "صراع أفكار في الرأس"، بل هي انعكاس لـ ازدواجية الموقف الطبقي؛ فالموظف البسيط يعيش في نمط حياة حديث (ساعة عمل، راتب حكومي)، لكنه ينتمي إلى خلفية ريفية/عشائرية تفرض عليه التزامات مالية واجتماعية تقليدية.

ج. راهنية المقاربتين لواقع العراق المعاصر
يمتلك هذا النموذج التركيبي قدرة تفسيرية عالية لواقع العراق بعد عام 2003:


1.    صعود العشائرية والزبائنية: يُفهم سوسيولوجياً من خلال أدوات بطاطو (غياب دولة الرعاية والتوزيع الريعي للموارد عبر أحزاب وحركات) متضافراً مع أدوات الوردي (استدعاء المنظومة العشائرية من اللاشعور الجمعي كملجأ وحماية عند انهيار السلطة المركزية).

2.    الخطاب السياسي وسلوك الشارع: تتجلى "الازدواجية" في مطالبة الشارع بالدولة المدنية وسيادة القانون، مع الممارسة الفعلية للاحتماء بالعشيرة أو الطائفة عند التعرض للأزمات الشخصية أو السياسية.

5. الخاتمة والتوصيات
تأسست هذه الدراسة على تفكيك أطروحتين رائدتين في علم الاجتماع العراقي: المقاربة النفسية-السلوكية لـ د. علي الوردي، والمقاربة الطبقية-المادية لـ حنّا بطاطو.

أبرز نتائج البحث:


1.    عدم انفكاك الثقافي عن المادي: إن الظواهر النفسية والسلوكية المتمثلة في "ازدواجية الشخصية" و"التناشز الاجتماعي" لا تدور في فراغ تجريدي، بل هي النتاج المباشر لاضطراب التحولات الاقتصادية ونظام الملكية والتوسع العمراني غير المكتمل.

2.    ثنائية القوة والقيمة: العشيرة في العراق لم تستمر مجرد بقايا من الماضي البدوي (كما قد يُستشف من الوردي)، بل أعيدت صياغتها كأداة سياسية واقتصادية للسيطرة وحشد الموارد (كما أثبت بطاطو).

3.    أهمية النموذج المتكامل: لا يمكن فهم السلوك السياسي والاجتماعي للعراق المعاصر باعتناق مدرسة واحدة؛ فالأدوات المادية تكشف هياكل السلطة والموارد، بينما الأدوات النفسية تكشف طريقة تمثل الجماهير لهذه السلطة واستجابتهم لها.

التوصيات للبحوث المستقبلية:


•    توسيع النموذج المركّب (الوردي-بطاطو) لتطبيق دراسات ميدانية على الحركات الاحتجاجية الشبابية المعاصرة في العراق (مثل احتجاجات تشرين).

•    دراسة أثر التحول الاقتصادي النفطي الريعي في إعادة تشكيل الطبقة الوسطى والأنماط السلوكية للفرد العراقي في القرن الحادي والعشرين.

6. قائمة المصادر والمراجع:
•    بطاطو، حنّا. (1990). العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية (ترجمة: عفيف الرزاز؛ الطبعة الأولى). بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية.
•    
•    الوردي، علي. (1951). شخصية الفرد العراقي: بحث في طبيعة النفس العربية على ضوء علم الاجتماع الحديث. بغداد: مطبعة المعارف.

•    الوردي، علي. (2005). دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: محاولة في تفسير مجريات التاريخ العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث. بغداد: دار الحكمة.

•    الوردي، علي. (1999). وعاظ السلاطين. بيروت: دار الكوفية.

•    الوردي، علي. (2007). لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث (8 أجزاء). بغداد: دار المدى.

•    مركز دراسات الوحدة العربية. (2015). المجتمع العراقي بعد نصف قرن من التحولات: قراءات سوسيولوجية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

•    Batatu, Hanna. (1978). The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraq's Old Landed and Commercial Classes and of its Communists, Ba'thists, and Free Officers. Princeton: Princeton University Press.