العراق.. البلقنة.. التفكّك

العراق.. البلقنة.. التفكّك
العراق.. البلقنة.. التفكّك

اثارت التصريحات الأخيرة التي أطلقها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الكثير من الجدل، وخصوصا انها أتت في فترة حساسة وخطيرة، ليس للعراق فقط، بل للمنطقة برمتها وللعالم اجمع. 

وبقراءة المعطيات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، فمن الطبيعي ان تكون هناك تحذيرات للحكومة العراقية لمواجهة أي مستجد خطير من الممكن ان يهددها، لكونها ضمن خط الصراع وداخل اطار جغرافية الحرب، بل هي أكثر الدول تأثرا بأي صراع يواجه المنطقة، ولكن.. بالتمعن في التصريحات الامريكية، طيلة العقدين الماضيين، سيتبين باننا امام واقع جديد وخطير، حيث نسمع وللمرة الأولى، ومن مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الامريكية، بل من رئيس دبلوماسيتها ومحرك علاقاتها الخارجية، تحذيرا بهذه الدرجة من الخطورة، تجاه دولة هم من رسم أساس سياستها بعد اسقاط النظام السابق.. باختصار، هي المرة الأولى ومنذ العام 2003، تحذر واشنطن من تبعات ظروف من الممكن ان تؤدي بالعراق اما الى الانقسام، او الى استنساخ الظروف التي مرت بها منطقة البلقان في تسعينيات القرن الماضي، من حروب داخلية وقتل ودمار، سيؤدي في المحصلة، الى الانقسام والتشرذم.

التصريحات الرسمية للولايات المتحدة الامريكية، ومنذ اسقاط النظام البائد، كانت تتهرب دوما من هذه التحذيرات، بل وحتى اثناء هجمات تنظيم داعش الإرهابي على العراق واحتلاله لعدد من المحافظات والتهديد الحقيقي الذي عاشته الدولة وإمكانية سقوطها في اية لحظة، لم نسمع هذا النوع من التحذيرات من قبل المسؤولين الامريكان، على العكس، كانوا دوما يؤكدون على ان الدولة بخير ومازالت موحدة وانهم واثقون من ان العراق سيخرج من هذه الازمة منتصرا، ومع كل ازمة كانت تعصف بالعراق، هكذا كانت المواقف الرسمية الأمريكية، حيث كانت تؤكد دوما على ان ما يعيشه العراق، ليس الا مشاكل مؤقتة وستزول بزوال أسبابها، الا ان هذا التصريح الأخير لوزير الخارجية الأمريكي، يدق ناقوس الخطر. ولكن.. هل هو مجرد تصريح، ام ان العراق يمر فعلا بأزمة ستؤدي الى احدى هاتين النتيجتين؟

وبالعودة مرة أخرى الى المعطيات، التي يعيشها العراق اليوم، فعلى المستوى الداخلي، مازالت التشكيلة الحكومية غير مكتملة، والصراعات السياسية والحزبية مستمرة ولا اتفاق يلوح في الأفق حول اكمال التشكيلة الوزارية، ومن جانب آخر، التصريحات المتعلقة حول تسليم السلاح بيد الدولة، مازالت تأخذ اشكالا مختلفة وكل يغرد في سربه، والجميع يغردون خارج سرب الدولة، دون الاكتراث الى هيبة وقوة هذه الدولة والصلاحيات الدستورية للقائد العام للقوات المسلحة، هذا بالإضافة الى خلط الأوراق وتعمد اختلاق صراعات جديدة وتأجيج روح العداء بين المكونات العراقية وتحويل الميليشيات الـ(غير قانونية)، الى ورقة ضغط لتهديد دول الجوار، واستغلال الداخل العراقي والأراضي العراقية لجر الدولة الى صراع إقليمي ودولي، لن يستطيع هذا البلد الخروج منه بسهولة.

وفي ذات الإطار، وباستمرار الخلاف مع إقليم كوردستان، والتنصل عن الالتزامات الدستورية تجاه الاقليم، والتأخير المتعمد في موضوع حل المشاكل العالقة بين بغداد واربيل وعدم الالتزام بالاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تبرم بين الجانبين، ستزيد من تشتت الجبهة الداخلية، وتبعث بذلك رسالة واضحة الى المجتمع الدولي، بان الداخل العراقي هش، ولا يمكن الاعتماد عليه، لغياب الإرادة العراقية والاتفاق الوطني.

وعلى المستوى الإقليمي، فمازالت تأثيرات النفوذ الإيراني مستمرة، ومسؤولي قوات الحرس الثوري في تماس واتصال وتواصل مباشر مع قادة الميليشيات، وتصريحاتهم تقول وتؤكد، بان سلاح الميليشيات لن يؤول الى الدولة مهما كانت التهديدات ومهما كانت الضغوط من قبلها، اما تركيا، فهي أيضا تفرض شروطها القاسية فيما يخص التعامل النفطي مع العراق ولا يمكن ان تتنازل عن استقوائها على العراق في أي اتفاق مستقبلي حول تصدير النفط العراقي اليها، وان صعب عليها الامر، ستستخدم نفوذها في الملف المائي، ناهيك عن إمكانية المماطلة حول تسليم معسكر زيلكان الى الحكومة العراقية، بعد خروج ميليشيات الـPKK .

ودوليا، وهنا تكمن الكارثة، فقد بات العراق بعيدا تماما عن أي اتفاق دولي يخص الجانب العسكري، واية احلاف ومواثيق من شانها ان تحافظ على استقرار المنطقة، وتعزز من الثقة الدولية بهذا البلد وتقوي مكانته في المجتمع الدولي، وذلك يعني بان النظرة الدولية للعراق، هي الأقرب الى تعريفه كجزء من جبهة التهديد ومصدر من مصادر الخطر على دول المنطقة ومصالح الدول الكبرى في هذه الدول، ونتيجة لهذا الاتفاق (غير المعلن)، بين هذه الدول تجاه العراق، فلا يمكن ان نستبعد اقرار عقوبات اقتصادية وسياسية وفرض عزلة دبلوماسية وبالتدريج، في محاولة لحصر العراق امام خيارات قاسية، تهدد شكل وهيكل الدولة ووحدتها واستقرارها.

ان الحديث الذي أطلقه وزير الخارجية الأمريكي، والذي يعد الأكثر صراحة من نوعه، يعد بمثابة ناقوس الخطر حول مستقبل العراق، وبالتعمق في تفسير هذه التصريحات، سنكون امام نتيجة قاسية جدا، تؤكد على ان الاستهانة بجدية هذا الحديث، يعد بمثابة الانتحار للدولة العراقية، على الرغم من ان العراق وبتعاونه مع واشنطن، او انصياعه لتأثيرات الميليشيات، سيكون بين خياري الانتحار بالسم، او بالرصاص. حيث ستكون نتيجة الاتفاق مع واشنطن، تهديد هيبة الدولة ومؤسساتها من قبل الميليشيات، اما العكس، فستكون نتيجته، مزيدا من الإجراءات القاسية تجاه الحكومة العراقية، والتي من الممكن ان تؤخر الكثير مما يريد ان ينجزه، ومن غير المستبعد ابدا ان تؤدي الضغوط الى انفجار شعبي جماهيري على غرار ما حصل في تشرين الأول/أكتوبر 2019. 

ان غياب سيطرة الدولة على السلاح، وتعدد مراكز القرار، والولاءات الخارجية في الوضع العام لمنطقة البلقان في تسعينيات القرن الماضي، أدت الى قيام سلسلة من الحروب والمجازر وجرائم قتل جماعي يندى لها الجبين الانساني، نتيجتها كانت جرائم وحروب وصراعات استمرت لأكثر من ثمانية أعوام، وانتهت بمقتل أكثر من 130 ألف شخص وتشريد الملايين وتفكك دول الاتحاد اليوغسلافي، هذه المعطيات ذاتها، تتواجد وبشكل واضح في الحالة العراقية، وفي ظل وجود صراع إقليمي دولي، ليس بالبعيد عن حدود الدولة العراقية، فمن غير المستبعد ان يصل العراق الى ذات النتيجة وذات النهاية، وخصوصا.. ان الهشاشة التي بدأت على أساسها العملية السياسية العراقية في 2003، هي أكثر الأسباب التي ستسرع الوصول الى ذات نتيجة البلقان.

ان التصريحات التي اطلقها روبيو، لم تكن اعتباطية، ولم تأت من فراغ، بل هي نتاج دراسة مستفيضة واعداد لخطط وخيارات من الإدارة الامريكية تجاه العراق، ولا يمكن التغاضي عن حقيقة، ان استقرار العملية السياسي في العراق، مرهون بقوة الدعم الأمريكي، فمازالت واشنطن تسيطر على الاحتياطي النقدي الاتحادي العراقي، ومازالت العقوبات التي تدرج شخصيات ومؤسسات وشركات ومصارف عراقية في القائمة السوداء مستمرة، وبرغم قرار الانسحاب الأمريكي الشامل من العراق، الا انهم (أي الامريكان)، لن يتخلوا عن نفوذهم وسيطرتهم على ارض وسماء العراق، واي تراجع للدعم السياسي او الاقتصادي الأمريكي، باستغلال الظروف الداخلية والنفوذ الإقليمي (وتحديدا الإيراني) على العراق، وعدم وجود إرادة عراقية حقيقية، سيؤدي الى توقف عدد كبير من المشاريع الاستثمارية وانسحاب المستثمرين الذين لا يمكن ان يضحوا برؤوس أموالهم في دولة غارقة في العقوبات الدولية.

ومع وجود مؤشرات إيجابية (على الأقل بنظر الامريكان)، من قبل الحكومة العراقية بإغلاق الأجواء العراقية امام الطيران الإيراني، وإيقاف الرحلات الجوية من العراق الى مطارات إيران (وبضغط امريكي)، الا ان العراق وفي كل الظروف، لن تكون امامه حرية الخيار للخروج من هذا المأزق الذي من الممكن ان يؤدي به الى النتيجة التي حذر منها روبيو، بدليل سعي الحكومة العراقية الى فتح اطر للتفاوض مع واشنطن، لتخفيف القيود على شركات الطيران الإيرانية، وهذا بحد ذاته هو اول فشل وسقوط للدولة امام إرادة الميليشيات التي هددت الحكومة علنا دون ان يكون لها أي رادع.

باختصار.. الدولة العراقية امام امتحان صعب، واختبار لم تشهده في تاريخها، ولن يكون الخروج منه سهلا، ان تجاهلت المخاطر التي تحيط بها، فأما الخروج بسلام بجبهة داخلية موحدة يدعمها الدستور، او السير وراء الميليشيات، ليكون سيناريو البلقنة، ثم التفكك، هو المصير المحتوم.