الانسحاب الأمريكي من العراق… اختبار بغداد وأربيل

الانسحاب الأمريكي من العراق… اختبار بغداد وأربيل
الانسحاب الأمريكي من العراق… اختبار بغداد وأربيل

انسحاب القوات الأمريكية من العراق وكوردستان يأتي وفق اتفاق مسبق بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية، ومع اقتراب الموعد المعلن لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق في 30 أيلول 2026، تدخل بغداد وأربيل مرحلة جديدة تختلف عن المرحلة التي بدأت بعد عودة القوات الأمريكية إلى العراق عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش.

وبموجب التفاهمات الأمريكية ـ العراقية، يجري الانتقال من مهمة التحالف العسكرية إلى علاقة أمنية ثنائية، فيما تتحمل القوات العراقية وقوات البيشمركة مسؤولية أكبر في مواجهة التهديدات الإرهابية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل ستنسحب القوات الأمريكية؟ بل: ماذا سيحدث بعد الانسحاب؟ ومن سيملأ الفراغ الذي قد ينشأ؟ وهل سينشأ فراغ أصلًا؟ وهذه الأسئلة تضع العراق أمام مرحلة حساسة وجديدة.
إن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف لا يعني بالضرورة انتهاء العلاقة بين بغداد وواشنطن. فالعراق والولايات المتحدة يتجهان، وفق التصريحات الرسمية، نحو مرحلة تقوم على التعاون الأمني والتدريب وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب، بدلًا من الوجود العسكري المرتبط بمهمة التحالف.

وهنا يبرز سؤال آخر: إذا كان العراق يمتلك المؤسسات الأمنية والعسكرية القادرة على حماية البلاد، وإذا كان قرار السلاح والحرب والسلم بيد الدولة، فهل تستطيع هذه المؤسسات تحمل المسؤولية كاملة بعد انتهاء الوجود العسكري للتحالف؟

برأيي، المشكلة ليست في خروج القوات الأمريكية بحد ذاته، وإنما في البيئة الأمنية والسياسية التي سيحدث فيها هذا الخروج. فهل سينجح تنظيم داعش في إيجاد ثغرة للتغلغل مجددًا إلى المدن والمناطق العراقية؟ وما شهدناه من تحركات وهجمات للتنظيم خلال الفترة الأخيرة يؤكد أن خطره لم ينتهِ بصورة كاملة، حتى وإن تغيرت طبيعة حضوره وقدراته.

فالعراق ما زال يواجه تحديات تتعلق بالسلاح خارج إطار الدولة، وبالعلاقة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة، وبالتوازنات الإقليمية، فضلًا عن خطر عودة التنظيمات الإرهابية إذا استغلت أي ضعف أمني أو سياسي، وكذلك الخلافات الداخلية بين الفصائل المختلفة، إلى جانب الملفات العالقة بين بغداد وكوردستان.

وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ما زالت من أكثر الملفات حساسية بالتزامن مع موعد الانسحاب. وهنا تظهر أهمية بناء دولة قوية لا تعتمد على وجود القوات الأجنبية، وفي الوقت نفسه لا تسمح بأن يتحول خروجها إلى فراغ أمني.

أما بالنسبة إلى كوردستان، فأعتقد أن المسألة تبدو أكثر تعقيدًا. فقد كانت القوات الأمريكية موجودة في كوردستان ضمن منظومة مكافحة داعش، وقدمت دعمًا وتدريبًا ومعلومات ومساندة لقوات البيشمركة. كما كانت أربيل خلال السنوات الماضية جزءًا أساسيًا من منظومة التعاون الأمني بين العراق والتحالف الدولي، وكان للقوات الأمريكية دور مهم في التصدي للطائرات المسيّرة والتهديدات القادمة من خارج الحدود أو من المناطق المتاخمة لكوردستان.

والآن، بعد الانسحاب الأمريكي، من الممكن أن ترى الجهات التي تهدد أمن كوردستان فرصة جديدة لزيادة ضغوطها وهجماتها، خصوصًا إذا لم ترافق المرحلة الجديدة إجراءات أمنية قادرة على حماية الإقليم ومواجهة التهديدات.

وفي الأسابيع الماضية، بدأت القوات الأمريكية سحب ما تبقى من وجودها العسكري من محيط أربيل، بالتزامن مع إزالة أو نقل بعض منظومات الدفاع الجوي الأمريكية. ويأتي هذا الانسحاب ضمن الجدول المتفق عليه مع بغداد، على أن تكتمل عملية الانسحاب في 30 أيلول.

ولا يمكن النظر إلى المسألة من زاوية عسكرية فقط. فإقليم كوردستان يقع في منطقة شديدة الحساسية، وتعرض خلال السنوات الأخيرة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما أن موقعه الجغرافي يجعله قريبًا من صراعات إقليمية متعددة.

ولهذا فإن السؤال الأساسي بالنسبة إلى أربيل هو: كيف يمكن الحفاظ على الأمن والاستقرار بعد خروج القوة التي كانت توفر جزءًا مهمًا من منظومة الردع والدفاع؟
ومن هنا تصبح مسؤولية البيشمركة أكبر في المرحلة المقبلة، حيث ستوضع قوات البيشمركة أمام مسؤولية تاريخية جديدة. والبيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية ارتبط اسمها بمرحلة الحرب ضد داعش، بل هي جزء أساسي من المنظومة الأمنية في كوردستان، وقد أثبتت حضورها في مواجهة الإرهاب وحماية مناطق واسعة من الإقليم.
لكن انتهاء الوجود العسكري للتحالف يعني أن الاعتماد على الدعم الخارجي يجب أن يتراجع تدريجيًا، مقابل تعزيز القدرات الذاتية. كما أن استمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة لا يتطلب بالضرورة وجود قوات أمريكية على الأرض، فالتعاون يمكن أن يأخذ أشكالًا أخرى، من التدريب والاستشارات إلى تبادل المعلومات والدعم اللوجستي وبناء القدرات. وقد أكدت حكومة إقليم كوردستان أهمية استمرار التعاون الأمني مع واشنطن رغم انتهاء المهمة العسكرية الحالية.

الخطر ليس في الانسحاب… بل في الفراغ.

هناك فرق كبير بين انسحاب منظم وانسحاب يترك فراغًا. فإذا خرجت القوات الأمريكية ضمن اتفاق واضح، واستمرت العلاقات الأمنية والاستخبارية، وتمكنت القوات العراقية والبيشمركة من سد الاحتياجات الأمنية، فقد تكون المرحلة الجديدة انتقالًا طبيعيًا نحو مسؤولية عراقية أكبر.

أما إذا تزامن الانسحاب مع ضعف المؤسسات، وانتشار السلاح خارج الدولة، وتزايد التدخلات الإقليمية، وضعف التنسيق بين بغداد وأربيل، فإن المخاطر ستكون أكبر.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الانسحاب ليس غياب الجندي الأمريكي، وإنما غياب البديل المؤسساتي القادر على حماية الأمن والاستقرار.

ومن هنا، تحتاج بغداد وأربيل إلى شراكة أمنية حقيقية. فالمرحلة المقبلة تحتاج أيضًا إلى تفاهم حقيقي بين الطرفين، لأن الأمن العراقي لا يمكن تقسيمه إلى أمن بغداد وأمن كوردستان، كما لا يمكن التعامل مع أمن الإقليم باعتباره قضية محلية فقط.

فداعش والتهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة والتوترات الإقليمية لا تعترف بالحدود الإدارية، ومن هنا تصبح حماية العراق مسؤولية مشتركة، ويصبح التنسيق بين الجيش العراقي والبيشمركة ضرورة أمنية، وليس مجرد شعار سياسي.

إن الدستور والشراكة الاتحادية يجب أن يكونا أساسًا لتنظيم هذه العلاقة، بما يضمن حماية إقليم كوردستان وحماية العراق في الوقت نفسه.
إنها مرحلة جديدة تحتاج إلى قراءة مختلفة. فقد تغيرت طبيعة التهديدات. ففي الماضي كان الخطر يتمثل بصورة واضحة في تنظيم يسيطر على المدن والأراضي ويخوض معارك عسكرية مباشرة، أما اليوم فقد أصبحت التهديدات أكثر تنوعًا: إرهاب، صواريخ، طائرات مسيّرة، هجمات إلكترونية، جماعات مسلحة، وتوترات إقليمية يمكن أن تنعكس بسرعة على الداخل العراقي.

ولهذا فإن بناء الأمن بعد الانسحاب لا يكون فقط بزيادة أعداد القوات، وإنما ببناء منظومة أمن وطنية متكاملة تعتمد على المعلومات والاستخبارات والتكنولوجيا والدفاع الجوي والتنسيق بين المؤسسات.

كوردستان بحاجة إلى الاستعداد لا إلى القلق

لا شك أن انسحاب القوات الأمريكية يثير الكثير من الأسئلة في كوردستان، خصوصًا في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة والهجمات التي تعرضت لها أربيل، لكن التعامل مع المرحلة الجديدة يجب ألا يكون بمنطق الخوف فقط، بل بمنطق الاستعداد.

كوردستان بحاجة إلى تعزيز وحدتها الداخلية، وتوحيد مؤسساتها الأمنية، وتطوير قوات البيشمركة، وتوسيع علاقاتها الدولية، والحفاظ على قنوات التعاون مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وفي الوقت نفسه تعزيز العلاقة الدستورية مع بغداد.
فالاعتماد على قوة خارجية إلى الأبد ليس حلًا، كما أن خروجها من دون بناء البديل ليس حلًا أيضًا.
الحل هو أن تمتلك كوردستان قدرة ذاتية تحمي أمنها، وأن يكون العراق قادرًا على حماية جميع مكوناته، وأن تستمر الشراكات الدولية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

الانسحاب بداية اختبار وليس نهاية العلاقة

إن 30 أيلول ليس بالضرورة نهاية العلاقة الأمريكية ـ العراقية، بل يمكن أن يكون بداية شكل جديد منها. فالولايات المتحدة أعلنت انتقالها من مهمة عسكرية إلى علاقة أمنية ثنائية، فيما يتحمل العراق وقوات البيشمركة مسؤولية أكبر في مواجهة الإرهاب.

لكن نجاح هذه المرحلة سيتوقف على قدرة العراق على بناء دولة قوية، وعلى قدرة بغداد وأربيل على إدارة الملفات الأمنية بروح الشراكة، وعلى قدرة كوردستان على تطوير مؤسساتها وقواتها بعيدًا عن الانقسام.
وفي النهاية، القضية ليست في عدد الجنود الذين سيغادرون العراق، وإنما في مقدار القوة التي سيبنيها العراق لنفسه بعد رحيلهم.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.